العدالة الاقتصادية

اقتصاديات التأديب من ١٩٧٧ إلى ٢٠١١ عن المكائد الهيكلية في مواجهة الأزمات

مقدمة

“في يومنا هذا ينبغي أن نقول إن الدولة هي مجتمع إنساني يحتكر الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين”.

                                                                                                            ماكس فيبر

 

لعل هذة واحدة من أكثر أفكار فيبر اختلافًا،  إذ يقترح أن الدولة الحديثة تمتلك وحدها الحق القانوني لاستخدام القوة المادية ضد أي فرد أو جماعة داخل حدود أراضيها. وبعبارة أخرى، تحتكر الدولة الحق في استخدام القوة المادية ضد المواطنين الذين يشكلون تهديدًا للبناء الاجتماعي الذي تحميه وتصونه تلك الدولة.

وبعيدًا عن الجدال حول فلسفة فيبر عامة، الدول الحديثة لديها القدرة على تهديد حياة مواطنيها بطرق عديدة أكثر من الإيذاء الجسدي. فعلي سبيل المثال، يمكن للتغيير الذي يطرأ على التوجه الاقتصادي للدولة، خاصة في وقت أزمات التراكم الرأسمالي، أن يجعلها تتخلى عن أدوارها الاجتماعية والاقتصادية التقليدية أو السابقة، مما يؤدي إلى زعزعة جميع جوانب وطرق المعيشة للمواطنين. ويُلحق هذا التغيير، على المدى البعيد، الضرر بكل من الفئات والطبقات الأضعف، بدلًا من تخفيف أعباء ظروفهم المادية. ولهذا السبب، فأن صنع القرارات الاقتصادية في أي دولة لا يقل أهمية عن استخدام الضرر الجسدي كأداة تأديبية. ونظرًا لأن صنع القرارات الاقتصادية له آثار مباشرة على الاختيارات المادية وغير المادية للجماهير، فهي تعمل كأداة لتأديب الطبقات عن طريق الجمع بين الاستخدام المتزايد للعنف وإثارة الخوف، في نفس الوقت الذي تخدم فيه بفعالية الرؤى والخطط التي تحمي مصالح القلة المهيمنة. لذا، يؤدي اتخاذ القرارات الاقتصادية في أعقاب أزمات التراكم إلى “تأديب” الأغلبية الساحقة للجماهير، من أجل التغلب على العقبات التي تؤثر سلبًا على عملية تراكم رأس المال، وتسهيل طرق تضخم أرباح الرأسماليين.  ولذلك، يحمل هذا التقرير عنوان “اقتصاديات التأديب“، ليعكس ضروب الاختيارات السياسية التي تهدف إلى إثراء القلة الرأسمالية عن طريق تأديب الجماهير بطرق تزيد من أعباء ومعاناة الأغلبية، وتقلص فرص التمرد على النظام الجديد. بالتالي، فإن هذه القرارات الاقتصادية لها في الواقع آثار اجتماعية، سنشير إليها في هذا التقرير بالقرارات الاجتماعية-الاقتصادية. 

رغم أن هناك روابط قوية بين القضايا التي تُناقش في هذا التقرير، وأفكار رأسمالية الكوارث وعقيدة الصدمة التي طرحتها الكاتبة ناعومي كلاين، إلا أنه من الضروري وضع الأزمات التي نناقشها هنا في الاعتبار. أنها التي تنشأ من داخل النمط الرأسمالي نفسه المليء بالتناقضات، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى حدوث متكرر للأزمات- وهو جانب أغفلته كلاين في اطروحتها. بالإضافة لذلك، عند التطرق  إلى مناقشة “الاستقلال النسبي للدولة” فيما يلي، سيتضح ابتعادنا عن أفكار كلاين فيما يتعلق بمسألة استقلالية الدولة النسبية، مقارنة بالأفكار التي تفترض خضوع الدولة تماما لمصالح الشركات.  

في بعض الحالات، تلاقي تلك القرارات الاجتماعية الاقتصادية، التي يتم اعتمادها وفقا للتغيرات العالمية في التوجهات الاقتصادية، احتجاجات واسعة أو اشتباكات عنيفة مع السلطات من قبل الجماعات والطبقات المتأزمة. إلا أنه في أغلب الأحيان، يظل الاستياء من هذه التغييرات الهيكلية المنفذة كامنًا (وفقًا للتغير في شكل وطبيعة السياسات الاجتماعية-الاقتصادية). وهذا لا ينفي أن هذه الجماعات والطبقات ستستمر في معارضتها (بأشكال أخرى) لجميع الخطط التي تعمم التكلفة على المجتمع، وتخصص الفوائد للقلة. في هذا السياق، لا يعتبر تدخل الدولة أمرًا ضروريًا فحسب، بل وحتميًا أيضًا، للحد من غضب الجماهير ومنع أي تصعيد إضافي أثناء محاولتها للتغلب على الأزمة. ومع ذلك، ينبغي أن نضع في الاعتبار أنه في الوقت الذي تتدخل  فيه الدولة بحجة استيعاب مطالب الناس، يرسخ هذا التدخل توجهًا اقتصاديًا جديدًا – أي نمطًا جديدًا من التراكم – يتوافق مع مصالح الطبقة المهيمنة. وفي هذه الظروف، ووسط أزمة التراكم، تدفع النخبة بالدولة للبدء في هذه التغيرات. وبالتالي لا تلغي الدولة تلك التغييرات التي يعارضها الشعب، ولكنها تسهل قدرتها طويلة المدى على تقنين المزيد من التدابير الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على تفاقم تدهور الظروف المعيشية للجماهير. وعلى نفس المنوال، تمنح أوقات الأزمات تلك الدولة فرصة فرض حملة تأديبية منهجية لإرساء القانون، وإنهاء الفوضى واستعادة الاستقرار والنظام، لإنهاء كل فرص ومساحات المعارضة بشكل فعلي، وإتاحة مساحة إضافية أمام الأجهزة الحكومية لتطبيق مزيدًا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم النخب . 

وفي ضوء ما تقدم، نشير إلى الدور العام للدولة في شرعنة القوانين والتقاليد الاستغلالية لصالح عملية تراكم رأس المال. وهي حقيقة نجدها شديدة الوضوح، خاصة في السياق الرأسمالي “النيوليبرالي” الحالي. وبالطبع، لا يستنتج من ذلك أن الدولة تختار تنفيذ مثل هذه الإجراءات بهدف وحيد يرمي إلى إيذاء هذه الفئات والطبقات. لكن، لأن قرارات الدولة تهدف في الأساس إلى خدمة عملية تراكم رأس المال والحفاظ على استمرارها وتعظيمها، فإنها تتجاهل مصلحة الطبقات المُستغَلة بسهولة. وبشكل آخر، يمكن القول إن العلاقة بين تراكم رأس المال ومصلحة المواطنين، في ظل دولة رأسمالية، هي ببساطة علاقة عكسية. 

وبناء على ما سبق، وباتخاذ الدولة المصرية الحديثة كدراسة حالة، يستهدف هذا البحث دراسة شروع الدولة خلال فترتين تاريخيتين مختلفتين، في استخدام أداة “الاقتصاد التأديبي” ضد فئات بعينها من المجتمع المصري، بعد معارضتها عدم المساواة الاجتماعية التي فرضتها التغيرات في التوجه الاقتصادي للدولة. تحديدًا، يتطرق البحث إلى التركيز على رد فعل الدولة المصرية (اجتماعيا واقتصاديا) إزاء انتفاضات الخبز عام ١٩٧٧ واعتصام ميدان التحرير الذي استمر ١٨ يومًا خلال موجة الربيع العربي الأولى عام ٢٠١١. 

بشكل مبسط وسريع، في الحالة الأولى، يرجع سبب انتفاضة الخبز في المقام الأول إلى قرار تخفيض الدعم الحكومي على السلع الغذائية كواحدة من محاولات نظام السادات لتحرير الاقتصادي المصري (وفقا للمفهوم الليبرالي)، وتحويل تبعية الدولة لسياسة الولايات الأمريكية الخارجية في المنطقة، بعد أن كانت سياسة مصر الخارجية تتبع الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. أما في الحالة الثانية، الخاصة بالاعتصام في ميدان التحرير، فقد اندلعت الحركة على خلفية الاحتجاجات في تونس و”شبح الإفقار” والإنحدار الذي يطارد المنطقة بأكملها في عباءة السياسات النيوليبرالية. وعلى الرغم من  العلامات المبكرة الدالة على تراجع الدولة عن خططها الأولية في الحالتين، مضت الدولة المصرية في نهاية المطاف في تنفيذ خططها الاجتماعية الاقتصادية الرجعية الجديدة بمعدلات متسارعة. ويمكن أن يفهم هذا التراجع المبدئي باعتباره تكتيكًا من جانب الدولة لاحتواء الحشود الغاضبة وإعطاء الأجهزة الحكومية الوقت اللازم لتنفيذ تلك الخطط الجديدة. وهنا تجدر الإشارة إلى ان البحث لن يتعمق في تفاصيل كلا الحدثين، في سبيل التركيز على استجابة الدولة من خلال مضيها قدمًا في تنفيذ سياستها الاجتماعية الاقتصادية الجديدة.    

وفي الجزء الأول من هذا البحث، نتناول رد فعل الدولة المصرية إزاء أعمال الشغب عام ١٩٧٧، بينما نتناول في القسم الثاني د فعل الدولة المصرية على أحداث يناير ٢٠١١، قبل اختتام البحث ببعض الملاحظات العامة. أخيرًا، يتناول مرفق (١) الإطار النظري للدراسة (الاستقلال النسبي للدولة وعملية التراكم الرأسمالي).

لتحميل التقرير 

ولقراءة التقرير

عداد الديون

Facebook

تابعنا علي فايسبوك

القائمة البريدية

للإشتراك في القائمة البريدية

التخطي إلى شريط الأدوات