العدالة البيئية

البحث عن العدالة المناخية في الاتفاقيات الدولية

الجزء الثاني: تعليق على إستراتيجية مصر للتنوع البيولوجي وخطة عمل 2015–2030

تمهيد

انعقد ”مؤتمر الأطراف في الاتفاقية المتعلقة بالتنوع البيولوجي“ في مصر في الفترة من 17 إلى 29 نوفمبر 2018 لمناقشة الإطار القانوني العالمي للتنوع البيولوجي. هدف المؤتمر الرابع عشر الذي عُقد في شرم الشيخ إلى بدء تبني الإطار العالمي للتنوع البيولوجي لما بعد عام 2020، وهو الإطار المقرر اعتماده رسميًا في الاجتماع الخامس عشر لمؤتمر الأطراف في بكين عام 2020. تضمنت الأجندة مناقشة الاتجاهات الإستراتيجية لرؤية 2050 للتنوع البيولوجي، ومراجعة فعالية عمليات اتفاقية التنوع البيولوجي، بالإضافة إلى أمور أخرى تتعلق بكتابة التقارير والتقييم وبناء القدرات والآليات المالية. وكان على الأطراف مناقشة التقدم الحالي في تنفيذ الخطة الإستراتيجية للتنوع البيولوجي 2011–2020.

وتنقسم الأهداف الرئيسية للخطة الإستراتيجية 2011–2020، المعروفة باسم ”أهداف أيشي للتنوع البيولوجي،“ إلى ما يلي:

  1. تناول أسباب اضمحلال التنوع البيولوجي عن طريق تعميم القضية في كل القطاعات الحكومية ونواحي المجتمع.
  2. خفض الضغوط المباشرة على التنوع البيولوجي وتشجيع الاستدامة.
  3. حماية التنوع البيولوجي بما في ذلك النظم البيئية والأنواع والتنوع الوراثي.
  4. تعزيز منافع التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية لجميع الأفراد.
  5. التخطيط التشاركي وإدارة المعارف وبناء القدرات لضمان نجاح الإستراتيجية.

وتكمن الفكرة الأساسية في وجوب تحقيق جميع هذه الأهداف بحلول عام 2020 عن طريق تحقيق الأهداف المندرجة تحت كل هدف على حدة.

لا تندمج قيم التنوع البيولوجي جيدًا في خطط التنمية القومية في مصر كما هو الحال في العديد من البلدان الأخرى، ولا يزال ثمة عوائق أمام التحرك نحو الإنتاج المستدام بسبب منطق النمو الاقتصادي، وجهود الحكومة المهدورة لدعم كبار المنتجين على الرغم من تأثيرهم السلبي على البيئة. تتزايد خصخصة النظم البيئية التي توفر الخدمات الأساسية للحياة البشرية، ولا تقلل الضغوط البشرية على هذه النظم البيئية بدرجة مرضية. وبالنظر إلى أن أهداف أيشي لم تتحقق على نحو كاف، يدعو النشطاء إلى إطار أكثر صرامة لاجتماع بكين 2020.

يعد هذا المؤتمر حلقة واحدة في سلسلة طويلة من عملية دورية تبدأ بصياغة أهداف، ثم الفشل في تحقيقها، والإشارة إلى عدم كفاية جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمية في مؤتمر الأطراف التالي، ثم إعادة صياغة أهداف جديدة والبدء مجددًا. الأمل في أي نجاح لهذه سلسلة لا بد أن يوضع موضع شك، وهو الرأي الذي عبرت عنه نيلي مارين مثلًا، وهي ناشطة بيئية ومنسقة برنامج الغابات والتنوع البيولوجي بجمعية ”أصدقاء الأرض العالمية.“ حضرت مارين اجتماع الأطراف الرابع عشر في شرم الشيخ، وقالت إن ضغط الشركات كان ثابتًا بطول المفاوضات، مما جعل الإيمان بفعالية مؤتمر الأطراف أمرًا شديد الصعوبة. وأكدت مارين أن حل أزمة التنوع البيولوجي بالعمل مع أصحاب الصناعات نفسها التي تدمر هذا التنوع بينما تتوسع دون رقابة هو أمر مستحيل، إذ ”لا توجد طريقة للتوفيق بين الاستغلال المفرط للموارد وبين التنوع البيولوجي، فهذا تناقض في المصطلحات.“

ومثل إجراءات اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، أشيد باتفاقية التنوع البيولوجي من قبل الكثير من الكيانات التي تقدر الاتفاقات الدولية وتشجع على التوقيع عليها، لكن دون التحقق من التأثير الفعلي للاتفاقية ومثيلاتها. ولا تزال نتائج الدورة الرابعة عشر لمؤتمر الأطراف عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لأزمة التنوع البيولوجي، لأن هذه الحلول لا بد أن تبدأ بتنظيم صارم للشركات وإخضاعها لقيود واضحة، لكن بدلًا من ذلك، تُصاغ الخطط مرة بعد أخرى، ثم تُعاد صياغتها، مرة لعام 2020 ثم 2030 ثم 2050، ويدفعنا هذا إلى التساؤل عما إذا كان أصحاب المصلحة المعنيين ملتزمين فعليًا بعلاج الأزمة، أم أنهم فقط يستمرون في معاودة الإجراءات ذاتها فيتأجل الحل إلى أجل غير مسمى. على الرغم من الجهود المستمرة التي تبذلها بعض المجموعات الملتزمة بتحقيق العدالة المناخية والبيئية في أعمال التنوع البيولوجي، يبدو أن الاختيار الأخير هو الواقع الحالي.

يهدد التنوع البيولوجي العالمي بعوامل كثيرة مثل التحضر المفرط وتدمير الموائل الطبيعية وتلوث الهواء والماء والتربة وتغير المناخ واستمرار إزالة الغابات والإفراط في استخدام المساحات الخضراء والمناطق البرية والأنواع الغازية والإفراط في استغلال الكائنات الحية (مثل الصيد المفرط). وعندما يتعلق الأمر بمصر، ثمة تهديد كبير للتنوع البيولوجي للشعب المرجانية والحياة البحرية في البحر الأحمر، إذ تتفاقم الأزمة بسبب تلوث المياه، والتسرب المستمر للنفط من الحفارات البحرية، وممارسات الغوص، وسوء إدارة النفايات على طول الساحل. إن التوسع الحضري الهائل على الأراضي الزراعية وتوسيع التصنيع وإنتاج النفايات في القطاعات الرئيسية يؤدي إلى المزيد من فقدان التنوع البيولوجي، وعلى الرغم أن الحكومة المصرية تدرك المشكلة، وتدير وزارة البيئة حاليًا 30 منطقة محمية، فإن هذا لا يعني أن التغييرات الهيكلية اللازمة لحماية التنوع البيولوجي يُنظر لها بعين الاعتبار أو بالحد الأدنى اللازم من الجدية.

إن أزمة التنوع البيولوجي مثل الاحتباس الحراري، لا يمكن علاجها أو تصور حلها بطريقة مستقلة عن النظم العالمية والمحلية للحوكمة البيئية. وفقدان التنوع البيولوجي هو النتيجة المنطقية لتغير المناخ، والذي ينتج بدوره عن التدمير البشري للبيئة، ولهذا السبب، تحتاج جميع إستراتيجيات حماية التنوع البيولوجي إلى اقتراح حلول ليست بمعزل عن الهياكل الاقتصادية والسياسية التي تدعم الظلم البيئي، لأن الحفاظ على التنوع البيولوجي ليس عملية محايدة سياسيًا. يجب مراعاة مبادئ العدالة البيئية والمناخية عند وصف المشكلة واقتراح الحلول، وحاليًا يستمر تحكم الشركات في مؤتمر الأطراف المعني بالتنوع البيولوجي في إعاقة هذه العملية.

لتحميل التقرير

ولقراءة التقرير

لقراءة الجزء الاول من سلسلة البحث عن العدالة المناخية في الاتفاقيات الدولية… تعليق وجيز علي وثيقة ” المساهمات المحددة وطنيا ” لمصر

شارك: