حقوق العمال

تطور تشريعات التأمينات الاجتماعية للمدنيين منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وحتى اليوم

مقدمة

عاشت أسر مصرية كثيرة تحت تهديد فقدان موارد معيشتها، سواء نتيجة فقدان عائلها، أو حتى لعجزه عن العمل، وبالتالي عن إعالة الأسرة. وأرقت هذه المشكلة المجتمع المصري لعشرات السنين، خصوصاً في ظل حرمان معظم العاملين بأجر من حق المعاشات.

وذكر سعيد أبو طالب – في شهادته الموثقة ضمن الشهادات التي جمعها مركز البحوث العربية بالتعاون مع لجنة توثيق الحركة الشيوعية المصرية – إن وزارة الداخلية صرفت لأسرته بعد وفاة والده عام  1942، وكان يعمل في البوليس السري، مكافأة قدرها أربعة جنيهات ونصف عن مدة خدمته كلها، وبدون صرف أي معاش.

كما ظهرت المشكلة وتبعاتها في السينما المصرية مبكراً، فبنيت دراما أفلام  عديدة على واقعة فقد عائل الأسرة لعمله، أو فقدان الأسرة لعائلها لوفاته، بدون معاش في الحالتين. ففي فيلم “بداية ونهاية” عام  1960  للمخرج صلاح أبو سيف، انهارت أسرة بعد وفاة الأب والعائل الوحيد، وتأخر صرف معاشه البسيط، فبدأت قصة الأسرة مع انحراف بعض أبناءها. وفي فيلم أنا وبناتي 1961، إخراج حسين حلمي المهندس، تعرض الأب بعد صرف مكافأة نهاية خدمته لعملية نصب، فضاعت المكافأة نتيجة لذلك. وبقيت الأسرة دون أي دخل. وأثناء غياب الأب في المستشفى للعلاج على إثر  حادث، خرجت البنات لأول مرة لمواجهة الحياة، وهن غير مستعدات ولا مؤهلات لذلك، فكان الموت من نصيب إحداهن بعد التغرير بها وفقدانها عذريتها.

وقبل إنتاج هذين الفيلمين بقليل من الوقت، كان أول تقنين لتأمينات العاملين بالقطاع الخاص قد ظهر عام 1959، وإن صدر مستبعدًا لفئات عديدة من نطاق تطبيقه. ولكن قبل ذلك كله بما يزيد على 50 عام ، مثل مطلب الحق في المعاش أحد أهم مطالب العمال.

وفي مقال بجريدة المقطم بتاريخ 20 يناير 1902، ورد ذكر الحق في المعاش، ضمن حديث عن إضرابات العمال، وكيف أنها لفتت الانتباه إلى  أحوال العمال في مصر، وخلو القوانين من أي نظام يتعلق بمصلحة العمال وحالتهم الاجتماعية. ودعي المقال لضرورة وجود قانون يحدد ساعات العمل للنساء والقصر، ومراقبة الشروط الصحية في المعامل، وإنشاء صندوق معاش للمرضى  والمتقاعدين

كما كان لصدور قانون المعاشات الملكية في أبريل 1909 أثرًا في دفع عمال السكك الحديدية نحو العمل الجماعي، حيث خاضوا لأول مرة إضرابًا من أجل تحقيق مطالبهم. فقد جاء القانون مخيباً لآمال الغالبية العظمي من عمال السكك الحديدية، لأنه نص في المادة الرابعة منه على استثناء قائمة طويلة من العمال، اتضح أنها تضم فئات كثيرة من عمال السكك الحديدية، وبالذات المفتاحجية ورؤسائهم، والبرادين ورؤسائهم، والعرفاء، والعطشجية ورؤسائهم، وأسطوات الوابورات، والفرملجية، والسيمافورجية وغيرهم.

وأتى ذكر أهمية معاشات الشيخوخة  والمرض عام 1910 على لسان محمد فريد، قائد الحزب الوطني ، الحزب الذي أسس نقابة الصنائع اليدوية ومدارس الشعب والتي كان يتعلم فيها العمال. وفي عام 1910 أيضًا، أدرج مطلب إنشاء صندوق للتوفير والتقاعد ضمن أهداف لائحة نقابة الصنايع اليدوية. وكان العضو العامل بالنقابة يدفع اشتراك شهري قدره 5 قرش صاغ، والأعضاء المساهمون يدفعون ضعف هذا الاشتراك. ويقدم الأعضاء الشرفيون المساعدات النقدية أو العينية أو العقارات علي سبيل  المنحة أو الهبة، غير أن الأعضاء المساهمين أو الشرفيين لا يتمتعوا بالمزايا التي يتمتع بها الأعضاء العاملون. كما عملت النقابة على توفير الرعاية الطبية المجانية للمرضى، وصرف إعانات نقدية للعاطلين عن العمل و أرامل الأعضاء، ….وتكوين صندوق للمعاشات. وفي كتابه عن الاشتراكية عام 1913، أورد سلامة موسى إشارات عابرة إلى أهمية رعاية العمال في الشيخوخة وعند الإصابة.

وقبلها، وعند تأسيس رابطتي عمال مصنع موتسيان وعمال مصانع السجاير والورق في القاهرة عام 1908، ورد في النظام الأساسي لكل منهما، الدفاع عن مصالح كافة الأعضاء، والعمل على إنشاء صندوق خاص لمعاونتهم. ومن أهداف الصندوق؛ العمل على سد احتياجات العمال المرضى والعاجزين عن العمل و المسنين وعائلاتهم. وكان يمول من اقتطاع 20% من قيمة الاشتراك الشهري للرابطة. وفي عام 1909 كون وكلاء المحامين أمام المحاكم الأهلية جمعية  زمالة فيما بينهم، بهدف تأمين المساعدة المادية والمعنوية في حالة الفصل من العمل والمرض والإصابات والوفاة، للأعضاء أو عائلاتهم. وتحدد رسمًا للالتحاق بتلك الجمعية، وكانت قيمته عشرة قرش صاغ شهريًا.

لتحميل التقرير 

ولقراءة التقرير