العدالة الاقتصادية

تقرير | موازنة عام الكورونا، تجاهل ام تفائل؟؟

المقدمة

في ظل المخاوف المتصاعدة على الصعيد العالمي من انتشار وباء كورونا وآثاره الاجتماعية الاقتصادية على مختلف الشعوب، أتي مشروع موازنة  ٢٠٢٠/٢٠٢١ محتفيا بأداء الحكومة المصرية في مواجهة فيروس كورونا، وبقدرتها على احتواء مثل تلك الآثار السلبية مقارنة بدول أخرى عديدة. وهذا الاحتفاء، الملموس في الخطاب الحكومي العام في الفترة الماضية، انعكس على البيان المالي في شكل تفاصيل تطرح للمرة الأولى بشأن المبادرات الحكومية المتخذة لمنع انتشار الوباء، مع التركيز على آثارها “الإيجابية”، وزيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية والخدمات الأساسية للمواطنين، خصوصا الصحة والتعليم. إلا أنه بالنظر لتفاصيل مشروع الموازنة الجديد، نجده في حقيقة الأمر يعكس وبقوة الأجندة النيوليبرالية التي تسعى الحكومة لتنفيذها، بكل ما تحتويه من سياسات تقشف وتقليل الإنفاق الاجتماعي تحت شعارت تشجيع النمو الاقتصادي، وبعيدًا تمامًا عن أي تنمية حقيقية تستهدف رفع مستوى معيشة الفقراء والكادحين، خصوصا في عصر الوباء.   

هذا الافتراض مبني على عدة عوامل. أولها أن مشروع الموازنة الحالي تم إعداده خلال نوفمبر ٢٠١٩- فبراير ٢٠٢٠، بالاعتماد على التقديرات الاقتصادية للمؤسسات الدولية في يناير ٢٠٢٠، أي أن الأرقام المتضمنة في مشروع الموازنة تم اعتمادها قبل تفشي الوباء فعليا. ومع ذلك، قررت الحكومة إرسال مشروع الموازنة دون أي تعديل على البرلمان للمناقشة في مارس ٢٠٢٠، على أن يتم مراجعته بعد الربع الأول من العام المالي ٢٠٢٠/٢٠٢١. وكانت النتيجة المنطقية لذلك اعتراض بعض أعضاء البرلمان على مضمون الموازنة، ووصف إعدادها بالكلاسيكية نتيجة لغياب التحوط  ضد الوباء، في حين اعترض آخرون على استمرار سياسات التقشف، ووصفوها بأنها محاولات رسمية لتحميل الشعب ثمن فشل الحكومة في التعامل مع مشكلة العجز.  وعلى نفس المنوال، أبدي بعض المحللين تعجبهم من الطبيعة “المتفائلة للغاية” للموازنة، وعدم أخذها في الاعتبار تداعيات الوباء على المستويين المحلي والدولي. 

ومن الصحيح أن الحكومة اتخذت عدة خطوات لاحتواء الوباء، مثل مبادرة ال ١٠٠ مليار جنيه. إلا أن تأثير مثل تلك المبادرات لا يزال محل شك لعدة أسباب. فمثلا في حالة مبادرة ال ١٠٠ مليار، تسود حالة من الغموض حول مصدر تمويل المبادرة، فعلى الرغم من الحديث عنها في البيان المالي بشكل يوحي بتمويلها من الخزانة العامة، إلا أن مصادر أخرى تقول إن أموال المبادرة سيتم تخصيصها من خلال احتياطات موازنة العام المالي ٢٠١٩/٢٠٢٠. ولكن مبدئيًا، هذا الرقم أضخم بكثير من أن يكون متوفرًا في الإحتياطات. وفي نفس الوقت، حصلت الحكومة على قرض جديد بمبلغ ٥.٢ مليار دولارًا من صندوق النقد الدولي لمواجهة الوباء،  بما يعني زيادة أعباء الديون على الخزانة العامة، واستمرار سياسات التقشف على المدى البعيد في حالة ثبوت توجيه أي من أموال القرض للمبادرة . وبمعنى آخر، لا تتزايد أعباء الديون بشكل تلقائي ومستمر، إلا عند توجيه أموالها إلى مشاريع غير مجدية.      

وعلى نفس المنوال، لا يتضح الوزن النسبي الحقيقي للدعم الاجتماعي ودعم القطاع الصحي في المبادرة، في حال استهدافها لتغطية ما عرف بالالتزامات العاجلة؛ مثل دعم القطاعات المتضررة والمميزات الضريبية، إلى جانب الدعم الاجتماعي ودعم قطاع الصحة، مع إعلان الحكومة صرفها ٦٣ مليار جنية (من إجمالي ١٠٠ مليار جنيه) على هذه الالتزامات حتى أوائل مايو ٢٠٢٠.  ومن الضروري هنا ملاحظة انحياز الحكومة الواضح في تعاملها مع الأزمة، إلى مصالح أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال على حساب الكادحين، إذ حرصت الحكومة منذ بداية الأزمة على  تقديم حزمة إجراءات لدعم القطاع الصناعي و دعم البورصة، وضخ الأموال المتأخرة لصندوق دعم الصادرات. وفي الوقت ذاته لم تسع للعمل على  إزالة المشاكل العديدة في مبادرات أخرى؛ مثل دعم العمالة غير المنتظمة. وكذلك لا يوجد أي دليل على متابعة وإشراف الحكومة على مسألة منع تسريح العمالة في المنشآت السياحية مقابل الدعم الحكومي. وبناء على ما سبق، يتضح أن الحكومة لا تنوي العدول عن تنفيذ اصلاحاتها الاقتصادية ذات الطابع النيوليبرالي،  على الرغم من نتائجها المزرية في مواجهة مشاكل الفقر والإنفاق. بل علي العكس، يوضح مشروع الموازنة الجديد رغبة رسمية في استمرار تلك المسيرة دون النظر لعواقبها الاجتماعية.   

وفي الصفحات المقبلة، نقدم تحليلنا لبعض جوانب البيان المالي لكل المهتمين بالشأن الاقتصادي في مصر، وفي طياته تفصيلًا مبسطًا لأهم سياسات الحكومة المصرية المالية والاجتماعية للعام المالي ٢٠٢٠/٢٠٢١ المتضمنة في مشروع الموازنة الجديد وتأثيراتها المحتملة على حياة المواطنين. 

لتحميل التقرير 

ولقراءة التقرير