كرونا

أزمة كوفيد-19 والواقع الأليم لسياسات وظروف العمل

شارك:

طرحت الحكومة المصرية الموازنة الجديدة للعام المالي 2020/2021 مع الوعد بأن تضع المواطن المصري على رأس أولويات السياسات العامة، خصوصًا بعد انتشار فيروس كوفيد-19 وتداعياته على معيشة ملايين المصريين. وعلى الرغم من أن مصر تعاني فعلًا من تحديات في وصول ملايين المصريين للغذاء، ومياه الشرب والرعاية الصحية، إلا أن أزمة كوفيد-19 جاءت لتضاعف هذه التحديات.

تواجه المنظومة الصحية المصرية عددًا كبيرًا من التحديات بدءًا، ولم تسع الحكومة بجدية لزيادة كفاءتها لمواجهة فيروس كوفيد-19، ولكن على جانب آخر نجد استجابة الحكومة لرغبة أصحاب الأعمال في فتح معظم المجالات والأنشطة في الوقت الذي تتزايد فيه الإصابات بشدة، فهل يأتي هذا القرار إذن في مصلحة المواطن ولصالح المنظومة الصحية والأطباء الذين يعانون، أم لصالح أطراف أخرى أكثر سطوة وتأثيرًا؟

وعلى الرغم من فتح المجال لمعظم الأنشطة حاليًا، إلا أن الحالة العملية والمادية لغالبية المصريين أصابها التدهور الشديد فعلًا. فقد الكثيرون وظائفهم، بينما انكمش دخل من هم أكثر حظًا، مما أثر بشدة في طريقة حياتهم ليصبح حتى الغذاء مطلبًا صعبًا في بعض الحالات.

إذا ألقينا نظرة واحدة علي بعض تداعيات الجائحة الحالية ومحاولات الأسر المصرية للتغلب علي نقص دخولهم التي باتت غير كافية، سنرى الواقع الأليم بوضوح. فبحسب الإحصاءات الرسمية، قللت 36% من الأسر كمية الطعام في الوجبات، وقللت نسبة 19.8% منهم عدد الوجبات نفسه، فيما خفض 14.2% من البالغين كمية غذائهم من أجل توفيرها للأطفال، وبدأ 4.6% من الأسر في أرسال أفراد الأسرة لتناول الطعام عند الغير.

السياسات العامة: لمصلحة من؟

لا تتوقف التحديات في الوضع الحالي عند الأزمة الصحية أو أزمات العمل والبطالة لدى الملايين، لكننا نرى كذلك تشديد القبضة الأمنية ومعاقبة كل من يصرح برواية تختلف عن رواية المسؤولين الرسمية بشأن مختلف الأزمات، وعلى رأسها بالطبع أزمة كوفيد-19 نفسه. وصل الأمر إلى حد القبض على عدد من الأطباء بعد نشر آرائهم المتعلقة بالجائحة، وتوجهت نقابة الأطباء بطلب إلى النائب العام لسرعة الإفراج عنهم.

على الرغم من عدم الاستماع للمواطنين وعلى رأسهم الأطباء، نجد استجابة سريعة من صناع القرار لأصحاب الأعمال، الذين لم يتمكنوا من الصبر لأسبوع واحد قبل أن يعلو صراخهم ضد إجراءات العزل الاجتماعي، وبدؤوا بالضغط لإعادة الفتح حفاظًا على «الاقتصاد»، حتى لو كان هذا على حساب أرواح العمال وصحة المصريين. وما لبثت الحكومة أن استجابت لهذه الدعوات، دون تقدير للخطر الذي يشكله الفيروس بالنسبة لحياة ملايين المصريين.

سارعت الحكومة منذ بداية الأزمة لاتخاذ عدد من القرارات لصالح أصحاب الأعمال، مثل خفض أسعار الغاز والكهرباء، وتثبيت أسعار الكهرباء للمصانع لخمس سنوات قادمة، وتأجيل أقساط المديونيات والضرائب المستحقة عليهم لثلاثة أشهر، وخفض ضريبة الدمغة في البورصة للثلث، وخفض ضريبة توزيع الأرباح للشركات المقيدة بالبورصة للنصف كي تصبح 5%. رصدت الحكومة كذلك مبلغ 100 مليار جنيه لمواجهة انتشار الفيروس من دون أن تحدد كيفية إنفاقهم، وكان نصيب العمال منهم ضئيلًا للغاية.

اكتفت الحكومة بقرار صرف 500 جنيه لكل رب أسرة ممن يقدمون على إعانة العمالة غير المنتظمة، وذلك لثلاث مرات فقط، وقد وصل عدد مستحقي هذه الإعانة إلى 1.6 مليون عامل، مع تشديد الحكومة على عدم فتح الباب أمام ضم عمال جدد للمنحة، مما يعني أن مجمل المدفوع للعمالة غير المنتظمة على 3 دفعات يبلغ 2.4 مليار جنيه فقط من المئة المقررة.

تأتي هذه النسبة الضئيلة في الوقت نفسه الذي تشير فيه إحصائيات الدولة إلى أن إجمالي المشتغلين داخل مختلف المنشآت والشركات يصل إلى 14.3 مليون مشتغل، بينما يصل عدد العمال خارجها إلى 11.8 مليون شخص، وهذا بخلاف العاطلين عن العمل وعددهم 2.9 مليون شخص. إضافة لذلك، جاءت قيمة هذه الإعانة عند 500 جنيه في وقت تشير فيه مؤشرات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك إلى أن الأسرة المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى 3,678 جنيهًا بالشهر كي تتمكن من الوفاء باحتياجاتها الأساسية، مما يعني أن ما تقدمه الحكومة يصل فقط إلى سُبع ما تحتاجه الأسرة شهريًا.

ولم تكتف الحكومة بضآلة نصيب العمال من أموال مواجهة الأزمة، بل أصدرت علاوة على ذلك عددًا من القرارات التي مثلت عبئًا إضافيًا عليهم، فوافق مجلس الوزراء في 20 مايو على مشروع قانون بشأن المساهمة التكافلية لمواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا المستجد، وذلك  بخصم 1% من صافي دخل العاملين في الدولة والقطاع الخاص لمدة سنة، و0.5% من المعاشات، مع استثناء من تقل دخولهم عن 2,000 جنيه، ومن يعملون في قطاعات تأثرت بالفيروس.

وإذا علمنا أن مخصصات الأجور في الموازنة الجديد هي 335 مليار جنيه، مما يعني خصم 3.6 مليار منها، بما أن الحد الأدنى للأجور للعاملين بالحكومة هو 2,000 جنيه، وأضفنا إلى ذلك أن قيمة الأجور لعام 2018 في القطاع الخاص وقطاع الأعمال العام كانت 358.7 مليار جنيه، وبعد استبعاد من سيعفون من الخصم، فإن المتبقي سيكون 266.5 مليار جنيه، أي بخصم يصل تقريبًا إلى 2.7 مليار. يعني هذا أن الحكومة ستخصم من أجور العاملين 6.3 مليار جنيه، بخلاف ما ستخصمه من أصحاب المعاشات والذي لن نستطيع تحديده لعدم وجود إحصائيات تحدد فئات المعاشات، مقابل 2.4 مليار ستدفعهم للعمالة غير المنتظمة.

أعلنت الحكومة كذلك زيادة أسعار الكهرباء للمستهلكين في المنازل يوم 9 يونيو، ثم تقدمت نائبة في البرلمان بطلب لرئيس مجلس الوزراء لتأجيل تنفيذ القرار لحين انتهاء أزمة فيروس كورونا، خصوصًا مع انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء في ضوء انخفاض أسعار البترول عالميًا لأقل من نصف تكلفته السابقة، وكذلك وجود فائض في الإنتاج، لكن أحدًا لم يستجب لطلبها.

كوفيد-19 والعمل

على الرغم من الدعم الذي قدمته الحكومة لأصحاب الأعمال بدعوى الحفاظ على العمالة، وعلى الرغم من انصياعها وراء رغبتهم في رفع إجراءات العزل في كل القطاعات إلا أن أصحاب الأعمال لم يلتزموا في أغلب الأحيان بالحفاظ على العمالة. ومع كل تعدي جديد لم نسمع بأن أيًا من مؤسسات الدولة حاول التصدي لأي من حالات الفصل أو انتقاص الأجور.

لجأت بعض شركات الطيران مثلًا إلى تسريح العمال، فيما خفضت بعض الشركات الأخرى أجورهم بنسب تتراوح ما بين 25% و50%، ورفضت تلك الشركات الاقتراض بفائدة 8% لسداد اﻷجور. أظهر مؤشر مديري المشتريات أن الاستغناء عن جزء من العمالة لدى القطاع الخاص كان واحدًا من التداعيات البارزة لأزمة كورونا في مصر. وأعلن رجل الأعمال نجيب ساويرس عن تخفيض أجور العمال بإحدى شركاته إلى النصف.

لم تغط أي من وسائل الإعلام ما يحدث في المصانع والشركات نتيجة لهذه الإجراءات من أصحاب الأعمال. بدأ الأمر بشكاوى فردية على مواقع التواصل الاجتماعي، وبمرور الوقت بدأنا نسمع عن تسريح بالجملة للعمال، فمرة تسريح 80 عاملة ببورسعيد بدون صرف أي مستحقات، ومرة أخرى إضراب لعمال أحد مصانع الملابس الجاهزة اعتراضًا على فصلهم، وهذا بعد أن تقدموا بالشكوى لمكتب العمل الذي أخبرهم برفض صاحب العمل للتفاوض أو الحضور لمكتب العمل.

أما المدارس الخاصة فحدث ولا حرج، فبعد أن حصلت إدارات المدارس القسط الثاني من أولياء أمور الطلبة الذين لم يذهبوا إلى المدارس تقريبًا خلال الفصل الدراسي الثاني، امتنعوا عن دفع أجور العاملين. في البداية خير بعضهم العاملين بين الذهاب للمدرسة مع تخفيض أجرهم أو عدم الذهاب واعتبارها إجازة بدون أجر، ثم أصبح خيار الجلوس في المنازل بدون أجر لأغلبية العاملين بالمدارس الخاصة هو الغالب.

في أحد تحقيقات مدى مصر الذي أجري على عدد من المصانع، وضح أنها تنقسم إلى مصانع تهتم بالوقاية من العدوى، فتوفر لموظفيها كل وسائل الوقاية وتحفزهم على استخدامها داخل وخارج المصنع، مع تشجيعهم على الإبلاغ في حال الإصابة، وهذا السلوك أظهرته خصوصًا شركة صناعات غذائية تخشى أن يقع عليها خسائر كبيرة من وجود إصابات بالمصنع. أما النوع الثاني من المصانع فاهتم في البداية ثم بات لا يوفر شيئًا تقريبًا، والنوع الثالث وفر وسائل الوقاية لكن لم يتابع العمال أو يشجعهم على استخدامها. إضافة لكل هذا، استغلت بعض الشركات الوضع الحالي في زيادة ساعات العمل.

في محاولة لسماع صوت العمال المحظور، تابعنا التعليقات على خبر نشره مجلس الوزراء على صفحة فيسبوك الخاصة به، عن إعانة صندوق الطوارئ  للعاملين في السياحة، وبعد 8 ساعات فقط كان هناك 927 تعليق على الخبر، معظمهم يشكك في محتواه أو ينتقده.

علق العديد من العاملين بفنادق سياحية معروفة ومؤمن عليهم أنهم لم يتقاضوا شيئًا هم أو زملائهم منذ بداية الأزمة. وذكرت إحدى العاملات استغلال صاحب الفندق للأزمة من أجل فصلها من العمل بعد 35 سنة خدمة من دون إعطائها تعويضات الفصل التعسفي. واتهم عامل آخر الشركات بالاستيلاء على مثل هذه الأموال.

فيما علق آخرون من العاملين في المقاهي والمطاعم وغيرها من الأنشطة أنهم من العمالة الغير منتظمة، كونهم لم يسأل عنهم أحد. امتدت التعليقات لتشمل العاملين في مجالات أخرى في القطاع الخاص الذين فصلوا من العمل. وأشارت عاملة لمؤقتي وزارة الزراعة وطالبت بتثبيتهم، وذكرت مدرسة مسألة المدرسين في المدارس الخاصة، الذين «انقطع عيشهم، كمان مافيا المدارس الخاصة اللي كل اجازة صيف من غير مرتبات».

صدر مؤخرًا عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقرير عن آثار فيروس كوفيد-19، وعلى الرغم من العديد من التساؤلات بشأن نتائج الدراسة التي تبدو متضاربة أحيانًا، إلا أن التقرير يوضح جسامة التأثير على العاملين وأسرهم. ورد في هذا التقرير أن 61.9% من العينة المبحوثة تغيرت حالتهم العملية، كما أن 73.5% قل دخلهم، و55.7% من المشتغلين أصبحوا يعملون وقتًا أقل من المعتاد، و26.2% تعطلوا عن العمل، و18.1% يعملون عمل متقطع.

وعن طريقة التصرف في حال عدم كفاية الدخل لجأت أكثر من نصف الأسر للسلف (50.3%)، و17.3% إلى الصدقات، و1.5% إلى بيع جزء من الممتلكات، و5.4% إلى صرف منح العمالة الغير منتظمة. ولجأ 92.5% من الأسر لأنواع أرخص من الطعام، و89.8% إلى تخفيض نسب استهلاك الطيور واللحوم والأسماك، واعتمد 50.1% على مساعدات الأقارب والأصدقاء، فيما قللت الأسر من كميات الطعام وعدد الوجبات، وقلل البالغين من غذائهم لتوفيره للأطفال كما سبق وذكرنا في المقدمة، أو أرسلت أفراد الأسرة لتناول الطعام لدى الغير.

كل المذكور هو مما ظهر على السطح فقط، ولا شك أنه لا يمثل إلا جزءًا ضئيلًا فقط من معاناة العمال بسبب الأزمة الحالية، فإذا كان المسؤولون يتغنون ليلًا ونهارًا بمدح الإجراءات التي اتخذتها الدولة من أجل تفادي التداعيات السلبية للجائحة على العمال، فكيف يستقيم هذا مع التحولات التي تظهر في الأرقام المفزعة التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نفسه؟ وإذا كان النظر في الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لا يتطلب جهدًا كبيرًا لفهم انحيازها نحو أصحاب الأعمال حصرًا، فمن يهتم إذن بعمال مصر؟