كرونا

التعليم وكورونا: إدارة الأزمة وتأثيراتها

شارك:

كوفيد-19 والتعليم: إدارة الأزمة وآثارها

أصدر الرئيس السيسي يوم 14 مارس قرارًا بوقف الدراسة ابتداءً من 15 مارس، في إطار خطة الدولة للتعامل مع انتشار فيروس كورونا الجديد واتخاذ كافة الإجراءات الصحية والوقائية للحد من انتشار الوباء في مصر. تسبب ذلك الإغلاق في زيادة التوتر داخل الأوساط التعليمية بسبب بقاء الطلاب في منازلهم دون استكمال المناهج الدراسية أو الامتحانات اللازمة لانتقالهم للصفوف المقبلة. بدأت وزارة التعليم في التفكير في تقديم اقتراحات للتعامل مع الأزمة فدعت لاستمرار العملية التعليمية من خلال التعلم عن بعد، وسنعرض هنا أهم المقترحات التي تعمل الوزارة على تنفيذها في الوقت الحالي، والمشكلات التي فرضتها الأزمة على العملية التعليمية.

خطوات التعامل مع الأزمة التعليمية في ظل الوباء

أولًا: الأبحاث لمراحل النقل

أقرت الوزارة الأبحاث بدل الامتحانات شرطًا لانتقال الطلاب إلى الصفوف المقبلة، فيرفع الطالب بحثه على الإنترنت مع الكود الخاص به، وفي حال صعوبة اتصال الطالب بالإنترنت، يُسلم البحث إلى المدرسة التي تتولى رفعه على المنصة المخصصة. يشمل هذا القرار الفرق الدراسية من الصف الرابع الابتدائي إلى الصف الثالث الإعدادي، ونشرت الوزارة موضوعات الأبحاث للطلاب، ومنها أربعة موضوعات لطلاب المرحلة الابتدائية، هم السياحة، والطاقة، والصحة، والمياه، يختار الطالب منهم موضوعًا واحدًا للعمل عليه بمفرده أو مع مجموعة بحد أقصى خمسة طلاب. وللمرحلة الإعدادية أقرت الوزارة ثلاثة موضوعات، هم تحسين البيئة العلمية والتكنولوجية، والزيادة السكانية والأمن الغذائي، والبيئة، ليعمل الطالب على واحد منهم إما بمفرده كذلك أو مع مجموعة من ثلاثة أفراد على الأكثر.

أثار هذا القرار بعض القلق لدى أولياء الأمور والطلاب بسبب حداثة التجربة، وخشية من فتح باب الاستغلال من قبل المراكز الخصوصية والمدرسين ومديري المدارس، خصوصًا عندما بدأ بعضهم في بيع الأبحاث للطلاب بمقابل مادي، لتصل أسعار البحث هذه الأبحاث الملفقة إلى 1,200 جهنيهًا في بعض المناطق. يخشى الكثيرون كذلك من أن الطلاب لم يتلقوا تدريبًا مسبقًا على عمل هذه الأبحاث، وربما يعجز كثير من أولياء الأمور على مساعدة أبنائهم بسبب افتقارهم للمهارات اللازمة من أجل إجراء هذه المشروعات. تُعد فكرة الأبحاث خطوة جيدة يجب الاستثمار فيها بعد انتهاء أزمة الوباء، مع تدريب المدرسين ليتمكنوا من مساعدة الطلاب في عمل مشروعات بحثية صغيرة، وهو ما سيسهم في تدريبهم على البحث وزيادة الاطلاع على مصادر أخرى بجانب الكتاب المدرسي، وتشجيعهم على القراءة والنقاش الجماعي والتعاون في حالة البحث المشترك، والخروج من حالة الجمود والحفظ والتلقين، ولكن التحضير التدريجي لهذا التحول وتضمينه في المناهج يعد ضروريًا لضمان نجاح الأهداف المرجوة من الانتقال للأبحاث.

ثانيًا: المنصات الإلكترونية

بالإضافة إلى المشروعات البحثية، أطلقت الوزارة منصة إلكترونية على شبكة «Edmodo»، والتي توفر فصولًا افتراضية للتعلم عن بُعد، فينشئ كل مدرس فصلًا افتراضيًا على المنصة، ثم يدخل طلابه للتسجيل والمشاركة في الفصل، وعلى المدرس أن يشرح المادة العلمية ويعمل على متابعة الواجبات المنزلية مع الطلبة، وتعمل المنصة كذلك وسيطًا للتواصل مع أولياء الأمور. وحتى يوم 23 أبريل، سجل على الشبكة بحسب وزير التعليم نحو عشرة ملايين مستخدم، مقسمين إلى 7.956 مليون طالب من أصل 22 مليون، بالإضافة إلى 1.1 مليون معلم وأكثر من نصف مليون ولي أمر.

ثالثًا: امتحانات التابلت للمرحلة الثانوية

بالنسبة لطلاب الصفين الأول والثاني الثانوي، فسيؤدون امتحاناتهم عن طريق أجهزة التابلت من المنزل. قسمت الوزارة الامتحان إلى فترتين، واحدة من التاسعة صباحًا إلى الثانية عشر ظهرًا في بعض المحافظات كالقاهرة والإسكندرية والجيزة، والثانية من الثانية عشر ظهرًا حتى الثالثة عصرًا في محافظات أخرى كسوهاج وبني سويف والسويس، وهذا من أجل تقليل الضغط على شبكة الإنترنت في أثناء امتحان الطلاب. لكن ثمة تخوفات من سهولة الغش في حالة الامتحانات المنزلية، سواء عن طريق الامتحانات السابقة أو الغش الجماعي عبر مجموعات واتساب أو تصوير الإجابات ونشرها أو التقاء الطلاب للامتحان في مكان واحد.

رابعًا: امتحان الثانوية العامة

أعلنت الوزارة عن إجراء امتحان الثانوية العامة والدبلومات المقرر في شهر يونيو 2020 مع إعلان التأكيدات النهائية للإجراءات الوقائية في 15 مايو، وأبرز مقترحات الوزارة في هذا الصدد تعقيم اللجان قبل وبعد إجراء الامتحان، وتقليل أعداد الطلاب إلى 14 طالبًا في اللجنة، وتوزيع أدوات صحية مثل الكمامات والقفازات قبل الامتحان، واستخدام أجهزة قياس الحرارة عند دخول اللجنة.

هل تكفي المنصات الإلكترونية لتعويض العملية التعليمية؟

مع أهمية المنصات الإلكترونية وإمكانية استكمال العام الدراسي اعتمادًا عليها، فإن هناك عوامل كثيرة يجب الانتباه إليها، لضمان العدالة في الوصول لهذه المنصات. من المهم كذلك أن ندرك كيف أثر إغلاق المدارس في التجربة التعليمية ككل، فابتعاد الطلاب عن بيئة المدرسة وأجواء المشاركة مع رفاقهم وإتاحة المساحة لتفريغ طاقتهم الجسدية عبر الأنشطة اللاصفية مثل الألعاب والموسيقى، وغياب المتابعة والتقييم المستمرين من المدرسين يؤثر بشدة في أداء الطلاب وقدرتهم على اللحاق بسير العملية التعليمية.

يعاني قطاع التعليم كذلك من أزمة الكثافات العالية في الفصول، وهي مشكلة ضخمة تعوق العودة للمدارس ما دام الوباء مستمرًا، فعلى الوزارة أن تضمن تقليل أعداد الطلاب داخل الفصول من أجل الوقاية من انتشار العدوى إذا كانت تنوي إرجاع الطلبة إلى مدارسهم قريبًا.

يتضرر الطلبة من التعلم عن بعد كذلك بسبب وقف توزيع الوجبات الغذائية بالمدارس، والتي كانت توفرها وزارت التعليم والتموين والزراعة، ويستفيد منها نحو 11.5 مليون طالب، فترفع بعض الأعباء الاقتصادية عن الأسر وتسهم في النمو الجسماني للطلاب وتحسين تركيزهم. وإذا استمر إغلاق المدارس فعلى الوزارة البحث عن طرق أخرى للاستمرار في توزيع هذه الوجبة والتغلب على المشاكل اللوجستية والمالية التي تعيق توفيرها، ويمكن مثلًا استبدال التحويلات النقدية بها، أو إضافتها على الحصص التموينية للأسر بالتنسيق مع وزارة التموين.

المنصات الإلكترونية وتفاوت الفرص في التعليم

تواجه تجربة المنصات الإلكترونية بعض التحديات التي تعوق عدالة الوصول للتعليم، مثل عدم قدرة الكثيرين لتوفير أجهزة إلكترونية لأبنائهم، خصوصًا في حالة وجود أكثر من فرد في مراحل التعليم المختلفة. ولا يملك الكثيرون إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت، وإذا استطاعوا الوصول إليها فعادة ما تكون الخدمة سيئة، وأصبحت أكثر سوءًا بعد تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي وبقاء الناس في المنازل. إضافة لذلك، فإن كثير من المناطق الفقيرة أو البعيدة عن المراكز الحضرية تعاني مشاكل في البنية التكنولوجية. وحسب تقرير وزارة الاتصالات الصادر في أبريل 2020 عن مؤشرات استخدام الإنترنت في مصر حتى يناير من العام نفسه، فإن عدد مستخدمي شبكات الإنترنت المنزلي (ADSL) يقترب من 7.2 مليون مستخدم، أما عدد مستخدمي الإنترنت عن طريق شبكات المحمول فيصل إلى نحو 42.3 مليون مستخدم. يعني هذا أن كثيرًا من الأفراد يصلون إلى الإنترنت عن طريق الهواتف، لذا ربما تحتاج الوزارة إلى التوسع في التواصل مع الطلاب عن طريق البرامج التعليمية على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مثل التلفزيون والراديو، لتعويض الطلاب الذي يعانون صعوبات في توفير الإنترنت المنزلي أو أجهزة الحاسب الآلي.

أخيرًا، فإن الحالة التعليمية في العالم عمومًا وفي مصر خصوصًا تمر بوضع استثنائي أدى إلى إغلاق كامل للمدارس، وحاولت وزارة التربية والتعليم المصرية بمعالجة هذا الوضع عن طريق التحول إلى المنصات الإلكترونية، لكن هذا الوضع مؤقت ولن يستمر على الرغم من احتمال رجوع الوباء في موجات ثانية وثالثة، وهو ما يتطلب أن تلتزم الوزارة بإجراءات وقائية مشددة في حالة العودة للمدارس، وأهمها النظر في وضع كثافة الطلاب داخل الفصول، وهو ما يتطلب إصلاحات هيكلية مثل زيادة موازنة الأبنية التعليمية، ويجب الانتهاء من خطة واضحة في هذا الصدد قبل بدء العام الدراسي الجديد. وأخيرًا، من المهم أن يستمر مشروع الأبحاث في المدارس، خصوصًا لأهميته التعليمية، لكن مع تدريب المعلمين والطلاب تدريبًا جيدًا على المهارات الضرورية لهذه التجربة الجديدة.

تابعنا علي فايسبوك

القائمة البريدية

للإشتراك في القائمة البريدية