متابعات عمالية

السلامة والصحة المهنية | الفريضة الغائبة في بيئة العمل المصرية

ينظر إلى السلامة بوجه عام باعتبارها العلم الذي يسعى لحماية الإنسان وتجنيبه المخاطر في أي مجال، ومنع الخسائر في الأرواح والممتلكات كلما أمكن ذلك. والسلامة المهنية هي العلم الذي يهتم بالحفاظ على سلامة وصحة الإنسان من المخاطر التي قد يتعرض لها بسبب أداء عمله، وذلك بتوفير بيئة عمل آمنة خالية من مسببات الحوادث أو الأمراض المهنية. وهي أيضًا إطار تشريعي، فيه مجموعة قواعد ونظم، تهدف إلى الحفاظ على الإنسان والممتلكات من خطر الإصابة والتلف.

في البداية، أطلق علي السلامة والصحة المهنية مصطلح “الأمن الصناعي”. وسبب ذلك، أن بداية الانتباه لأهميتها جاء مع زيادة الحوادث بشكل مفزع في بداية الثورة الصناعية بأوروبا. فأصبح الحديث عنها متداولًا. وسنت قوانين وتشريعات تلزم أصحاب المصانع بتعويض المصابين عن الحوادث، حتى لو كانوا السبب في حدوثها. وحينئذ أهتم أصحاب المصانع بتحسين ظروف العمل، تقليلا لما ستوجبه عليهم تعويضات المصابين من مبالغ، فقلت الإصابات لذلك. 

إلا أنه ثبت فيما بعد أن المخاطر المهنية ليست في المصانع فقط، بل في كل أماكن العمل. حيث  تهدد المخاطر المترتبة على الكهرباء والحرائق كل أماكن العمل، وهناك مخاطر العدوي في المستشفيات، والمخاطر الكيميائية بجوار المصانع وفي معامل الشركات وغيرها، وهذا فضلًا عن مخاطر الاشعاع. كما زاد الآن خطر جديد لم يكن في الحسبان قبل عامين. إذ حصد فيرس كوفيد- 19، المسمي “كورونا”، خلال تلك الفترة أكثر من ثلاثة ملايين روح بشرية. ولذا تضاف أهمية مكافحة انتشار فيروس كورونا بكل السبل، سواء داخل مكان العمل أو خارجة، إلى أهمية مسألة تأمين مكان العمل والعاملين. وعلينا أيضاً مراجعة قوانين العمل والتأمين وغيرها لتتناسب مع الخطر الجديد، ولعل أوضحها الآن تعديل القوانين بإضافة فيروس كورونا ضمن الأمراض المهنية، واعتبار الوفاة بفيروس كورونا وفاة نتيجة إصابة عمل. 

ووفقًا لدليل المبادئ الأساسية للسلامة والصحة المهنية في بيئة العمل، الصادر عن منظمة العمل الدولية عام 2016، “تقـع مسـئولية تحقيـق وتنفيـذ مهـام السـلامة والصحـة المهنيـة علـى أطـراف الإنتاج مجتمعة. فعلـى الحكومـات مسـئولية وضـع التشـريعات وسـن القوانيـن والنظـم التـي ُتؤمـن مراقبـة تنفيـذ اشـتراطات السلامة والصحـة المهنيـة، مـن خـلال مفتشـي السلامة والصحـة المهنيـة. وعلــى أصحــاب الأعمال مســئولية تنفيــذ شــروط السـلامة المهنيــة، ووضعهــا قيــد التنفيــذ الفعلــي والعملـي، وتزويـد العمـال المعرّضيـن للمخاطـر المهنيـة بوسـائل الوقايـة المناسـبة، لمنـع حـدوث الأمراض المهنية وإصابـات العمـل، وتوفيـر وسـائل الوقايـة العامـة مـن تهويـة وإنـارة وتأميـن منـاخ عمـل وجـو مناسـب، وتحقيـق بيئـة اجتماعيـة وإنسـانية مناسـبة .أمــا النقابــات وممثلــو العمــال فعليهــم مســئولية التوجيــه والتوعيــة فــي مجــال الســلامة والصحــة المهنيــة، والمشــاركة فــي لجــان الســلامة المهنيــة فــي المنشــآت”. كما تجب معاملة السلامة والصحة المهنية (إداريا) بالتساوي مع أهم أهداف المنشأة، أي الربح. ويعامل المشرفين والقائمين علي تنفيذ شروطها مادياً، ومن حيث المواقع الوظيفية، بالتساوي مع زملائهم الذين يشكلون جزءًا من عملية الإنتاج. 

وعلي الرغم من أهمية السلامة والصحة المهنية إلا أنها لم ترد في الدساتير المصرية، إلا في دساتير ما بعد ثورة يناير 2011. كما لم تتطرق القوانين المنظمة لعمل موظفي الدولة، أو العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام لمسألة السلامة والصحة المهنية، إلا في حدود نص كثير منها على الأخذ بأحكام قوانين العمل الخاصة بعمال القطاع الخاص، فيما لم يرد به نص في تلك القوانين. وذكر قانون 137 لسنة 1981، الذي ينظم عمل العاملين بالقطاع الخاص، عدم سريان أياً من مواده علي العاملين بالحكومة والقطاع العام سوي فيما يخص السلامة والصحة المهنية.

وبالنسبة للعاملين في القطاع الخاص، كان أول قانون يتطرق للمخاطر سنة 1936، وتعلق بكيفية إثبات إصابات العمل، وكيفية التعويض عنها. ثم ورد نص عام في إحدي مواد قانون عقد العمل الفردي، يشير إلى ضرورة اتخاذ صاحب العمل احتياطات لحماية العمال من مخاطر الآلات. كما تضمن أيضًا موادًا خاصة ببعض الحقوق في الإجازات، تنص على استحقاق جزءًا من الأجر في حالة المرض أو الإصابة. وألزم المنشآت الصناعية بتوفير طبيبًا بها، متي كان عدد العاملين بها اكثر من 100 عامل. 

ومع قانون العمل 91 لسنة 1959، بدأت مسألة توفير أجهزة استشارية تركز علي بيئة العمل، داخل المنشآت الصناعية التي يزيد عدد عمالها عن خمسين عامل. ويكون نصف هذه الأجهزة من ممثلي صاحب العمل، والنصف الاخر من ممثلي العمال. كما أصبح للجهة الإدارية حق الاغلاق الكلي أو الجزئي للمنشأة التي بها خطر داهم علي صحة العمال أو حياتهم. 

وفي القانون 137 لسنة 1981، بدأ تصنيف المخاطر وكيفية الوقاية منها، وأقرت حقوق العلاج سواء في حالة المرض أو إصابة العمل أو المرض المهني. واستمر النص علي حق الجهة الإدارية في الإغلاق في حال وجود مخاطر، مع صرف أجور العمال كاملة. كما إضيف نصًا يخول للجهة الإدارية المختصة إزالة أسباب الخطر بطريق التنفيذ المباشر على نفقة المنشأة. 

وفي القوانين التي صدرت منذ خمسينات القرن الماضي، كانت عقوبات مخالفة نصوص مواد الفصل الخاص بالسلامة والصحة المهنية رادعة، حيث تضمنت الحبس، وكان وجوبياً إذا نشأ عن المخالفة خسائر في الأرواح أو خسائر جسيمة في الأموال، ويستمر سريان ذلك حتي الآن. وهو ما تحاول مسودات قوانين العمل التي صدرت حتي الآن التخفيف منه، مما يضعف القانون، ويؤدي إلى استهانة أصحاب العمل به وبأرواح وصحة العمال. 

وعلي الرغم من وفرة مواد قانون العمل الخاصة بمسألة السلامة والصحة المهنية، إلا أن الواقع والتطبيق ينم عن مخاطر حقيقية في أماكن العمل. فعادة ما نسمع عن حوادث فقد فيها عدد من العمال حياتهم، ولكن لم نسمع في المقابل بأحكام رادعة لمن استهتروا بأرواح العمال. وعلى سبيل المثال، فقد شب في مارس 2021  حريق بمصنع في مدينة العبور، توفي على أثره 20 عامل، وأصيب 25 شخصًا إصابات خطيرة ومتوسطة، بخلاف 6 غادروا المستشفى، كما شب حريق آخر بمصنع النشا في مسطرد عام 2015، ولم يأت ذكر للعمال وما حدث معهم ومع ذويهم. ولكن الأخبار اهتمت بإعادة التشغيل، وإصلاح الماكينتين اللتين تلفتا في الحريق. 

أما عن وسائل النقل غير الآمنة فحدث ولا حرج، فقد  توفى في الفترة الأخيرة عاملان من عمال اليومية، متأثران بإصابتهما فى حادث انقلاب سيارة ربع نقل محملة بعدد من العمالة بطريق “الصالحية الجديدة- الصالحية القديمة”، عمر أحدهما 17 عام، بخلاف عشرة عمال مصابين طبقاً للخبر. وفي 15 أبريل 2021 لقي 3 عمال مصرعهم وأصيب 10 آخرون في حادث إنقلاب ميكروباص تابع لشركة ملابس بالعاشر من رمضان. وفي ديسمبر 2019 لقي 19 عاملاً مصرعهم وأصيب 16 آخرون، نتيجة لحادث تصادم مروع بطريق بورسعيد/دمياط شمال مصر، وقع بين سيارة نقل وحافلة تقل عمالًا في أحد مصانع الملابس الجاهزة بالمنطقة الحرة للاستثمار بمحافظة بورسعيد. وفي 2019، توفى أيضاً  5 عمال في حادث برج الكهرباء بالوراق.  وفي 2017، توفى 4 عمال داخل بئر للصرف الصحى بإحدى المدارس الخاصة بمنطقة المعادى. وفي يناير 2021، لقى 3 عمال مقيمون بمركز فاقوس بالشرقية مصرعهم، إثر سقوط مصعد كهربائى من الطابق الرابع بهم في مصنع للملابس الطبية بقرية الفدادنة.

ومن المتاح حول أخبار الوفيات بكورونا في يونيو 2020، أعلنت شركة «نهضة مصر»، المسؤولة عن أعمال النظافة بالإسكندرية، وفاة عامل نظافة متأثرا بإصابته بفيروس كورونا المستجد. وفي يناير الماضي توفي مدير إدارة النظافة بمحافظة القليوبية، متأثرا بإصابته بفيروس كورونا داخل مستشفى قها للعزل. وصل عدد الأطباء اللذين توفوا متاثرين بالإصابة بالفيروس في 21 أبريل الماضي 472 طبيب.

والشيء المدهش هو فصل ومطاردة العمال للمطالبة بشروط السلامة والصحة المهنية بعد ثبوت المخالفات بحكم المحكمة. ففي نوفمبر 2017 أعلن مصدر مسؤول بمصنع سنمار للكيماويات جنوب بورسعيد، أن إدارة المصنع أجبرت 70 عاملا على تقديم الاستقالة من العمل بالمصنع، مقابل الإفراج عن 15 من زملائهم المقبوض عليهم أثناء مطاردة قوة من قسم شرطة الجنوب، برئاسة اللواء أمجد عبد الفتاح مدير أمن بورسعيد، لعمال مصنع الهندي المعتصمين داخله للأسبوع الثاني على التوالي، من أجل المطالبة بتفعيل السلامة البيئية للمصنع، كي يعمل العمال في بيئة آمنة لهم والمنطقة المحيطة بهم”. وكانت محكمة بورسعيد الجزئية المنعقدة يوم الأحد 29 أكتوبر 2017، قد حكمت بالحبس سنة مع الشغل، وكفالة قدرها مائتى جنيه لإيقاف التنفيذ مؤقتاً في القضية رقم 2144 لسنة 2017 جنح الجنوب، ضد ستيانا ريان راو، وشريف عبد الرحمن المنوفي، وأرموجان كولانديانا ، وأحمد على أبو الحمد، وحسن يوسف عيد. وأسندت النيابة العامة للمتهمين جميعاً أنهم تسببوا خطأ في إصابة المجنى عليهم – 8 عمال-نتيجة لإهمالهم ومخالفتهم للقوانين واللوائح.