متابعات عمالية

قوة العمال غير الرسميين في قطاع النقل

يسيطر الاقتصاد غير الرسمى فى الدول النامية على قطاع نقل الركاب في الحضر. وتشكل مواقع عمل قطاع النقل غير الرسمي محاورًا مهمة للنقل في الاقتصاد الوطني، وتمتاز بأهمية سياسية أيضًا. ويندرج ضمنها محطات الباصات وصفوف سيارات الأجرة ومواقف دراجات النقل النارية، وأماكن تجمع الميكروباصات.

ويمثل العمال غير الرسميين معظم عمال النقل في العالم، ويعانون من مضايقات الشرطة وأعمال الابتزاز الإجرامية، والافتقار إلى الأمان الوظيفي ووسائل التأمين الاجتماعى مع انخفاض الأجر. ورغم كل ذلك  يقدمون خدمات أساسية للملايين في جميع أنحاء العالم. فى آسيا وأفريقيا، يشكل العمل غير الرسمي معظم قطاع نقل الركاب في الحضر، ويوظف آلافًا من العمال فى نطاق واسع من الأعمال، وتعد النساء في هذا القطاع الأضعف وضعًا والأقل أجرًا، حيث يعانين من التمييز والعنف والتحرش الجنسي وسوء المعاملة. ولا يقتصر هذا الوضع على البلدان النامية فقط، فأصبح هناك الآن عمل غير رسمي واسع النطاق أيضًا في البلدان المتقدمة، مع انتشار اقتصاد علاقات العمل غير الثابتة. وأصبحت خدمات دراجات الأجرة النارية ونقل الطرود وتوصيل السلع رائجة في المدن المزدحمة، وتشارك فيها أعداد ضخمة. ففي كمبالا بأوغندا على سبيل المثال، تقدر السلطات أن هناك 120000 مشتغل على دراجات بودا بودا (دراجة نارية) (Spooner and Whelligan, 2017). ووفقًا لباحثي “ستانفورد بانك”، كانت صناعة البودا بودا في أوغندا ثاني أكبر قطاع بعد الزراعة عام 2013   (Nasasira, 2015).

ويمكن أن نجد في أي محطة نمطية للميني باص بالأجرة وظائف مختلفة عديدة (Spooner and Whelligan, 2017). وتتعارض مواقع العمل تلك مع الأفكار المعروفة حول ماهية عامل النقل. ويمثل موقف الباصات أو سيارات الأجرة في أي مدينة بجنوب العالم اقتصادًا كاملًا شديد الصغر، حيث تقدم كل صنعة خدمة  أساسية.

وعلى عكس الشائع عن خصائص النقل غير الرسمي، هناك آلاف عديدة من النساء يعملن في مواقع النقل غير الرسمي وحولها.  ومع ذلك توجد النساء عادة في الأعمال الأكثر ضعفًا وهشاشة وانخفاضًا في الأجر، مثل التنظيف والبيع وتقديم الأطعمة . وتواجه النساء أيضًا قدرًا أكبر من مضايقات الشرطة، والإساءات اللفظية، ومصادرة التراخيص، وفرض الغرامات، التي يحصل منها ضباط شرطة المرور الذين يعتقلونهن على عمولة.

ومازال بعض الباحثين يضع الاقتصاد غير الرسمي في نفس الكفة مع العالم الثالث، بينما يتزايد النقل غير الرسمي في الواقع بكافة أنحاء العالم. وبالنسبة لقاطني المدن، يتمثل عمال النقل غير الرسميين الأكثر وضوحًا في العدد الكبير والمتزايد من عمال توصيل الرسائل ونقل الطرود وتسليم السلع، مثل العاملين في شركات “ديليفرو” و”بوستميتس” و”أوبر” وغيرها من الشركات المعتمدة على التطبيقات الإلكترونية. 

وحاليا تجذب صناعة قطاع دراجات الأجرة البخارية انتباه الشركات الكبرى، حيث تتصارع “أوبر” والشركات المنافسة لها على حصص السوق فيما يتعلق بخدمات نقل الركاب والرسائل وتسليم السلع. ففي إندونيسيا على سبيل المثال، يوجد لدى شركة “جو-جيك” أكثر من 200000 سائق، ورفعت استثمارها مؤخرًا بمقدار 550 مليون دولار في صراعها مع شركتي “أوبر” و”جراب” المتنافستين معها. ويوجد لدى شركة “ديليفرو”، ومقرها المملكة المتحدة، أكثر من 20000 عامل نشط في 84 مدينة عبر 12 دولة. وافتتحت “أوبر” نفسها  أعمال “أوبر موتو” عام 2016 في تايلاند وفيتنام والهند أساسًا.

التنظيم

في عام 2013، بدعم من “إف إن في مونديال”، بدأ الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) مشروعًا لعمال النقل غير الرسميين من أجل تحسين قدرة النقابات على التنظيم وسط عمال النقل غير الرسميين.

وقد عين المشروع نقابات إرشادية في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، والتى أظهرت مهارات وخبرة في التنظيم الناجح. وأسست تلك النقابات أساليب تنظيمية جديدة، متكيفة مع نهج التنظيم الاستراتيجي للاتحاد الدولى للنقل (ITF) من خلال رسم محاور النقل غير الرسمية، وبناء تحالفات مع الجمعيات غير الرسمية، والبحث في علاقات التوظيف، ودعم المفاوضة الجماعية مع أصحاب العمل والحكومات والسلطات المخولة في قطاع النقل. وقد أقامت كل نقابة إرشادية برنامجًا للدعم والتدريب مع النقابات المنتسبة لمشروع النقل غير الرسمي (ITF) في الدول المجاورة. 

ومثل معظم العمال غير الرسميين الآخرين، يكون عديد منهم منظمين بالفعل، ولكن ليس بالضرورة على شكل نقابات. ففي مواقع العمل غير الرسمي الكبيرة، مثل محطات الباصات أو مواقف سيارات الأجرة في المدن الكبرى، يرجح وجود مجموعة من منظمات العمال بالفعل، قد يكون بعضها غير رسمي تمامًا، مثل جماعات المساعدة الذاتية الصغيرة من العمال الذين يدعم بعضهم بعضًا. وقد يكون بعضها الآخر جمعيات أو تعاونيات كبيرة مسجلة وجيدة التأسيس. ولذلك، يواجه منظمى النقابات والعمال الاختيار بين أشكال مختلفة من التنظيم: مثل الالتحاق المباشر بالنقابة، أو تعزيز منظمة قائمة، أو روابط تابعة للنقابة،  أو إقامة منظمات جديدة مخصصة لمجموعة من العمال غير الرسميين. 

ويتطلب التنظيم بين العمال غير الرسميين طريقة تفكير مختلفة حول ماهية النقابة، والأشياء التي تسعى إليها، وإذا لم يناقش نشطاء وقادة النقابة هذه القضايا بجدية، ويصلون إلى اتفاق بشأنها،  يمكن أن تؤدي مثل هذه المبادرات التنظيمية إلى تضارب في المصالح، وارتباك حول الاستراتيجية، وحتى إلى الانقسام والتصدع الداخلي .

ويعد توفير التمويل المستمر مسألة رئيسية، فمن المعلوم أن عمال النقل غير الرسميين يكسبون دخولًا متدنية ومتقطعة، ولذلك يكونون عرضة للصدمات الاقتصادية الخارجية، والزعم باستحالة بناء نقابة مستقرة مالياً اعتمادًا على تحصيل رسوم من العمال غير الرسميين. 

إن أكثر أنظمة تحصيل الرسوم النقابية شيوعًا لا تتلائم مع عمال النقل غير الرسميين بشكل واضح، فعلى سبيل المثال، يتضح أن أنظمة الاقتطاع المباشر من الرواتب أقرب للمستحيل، بينما يعمل كثير من العمال لحساب أنفسهم، أو يعملون باليومية بشكل غير رسمي. وإن كان التحصيل المباشر لمدفوعات نقدية منتظمة من الأفراد أمرًا مفيدًا للإبقاء على الإتصال المستمر بين الأعضاء والنشطاء والقادة، إلا أنه ليس سهلًا.

ومع هذا تمتلك بعض روابط العمال غير الرسميين تمويلًا قويًا، حيث يستعمل أعضاؤها مهاراتهم الإدارية والمالية الكبيرة في هذه المهام. وتتراوح طرق تحصيل الاشتراكات من الأنظمة النقدية إلى تطبيقات الأنظمة المصرفية الجديدة المعتمدة على التليفونات المحمولة. وحاليًا، يبحث الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF)  هذا الخيار مع عدد من منظمات عمال النقل غير الرسمية.

 قوة للعمال والنقابات

” تعني عضوية النقابات العمالية قوة للعمال غير الرسميين. وتعني العضوية الهائلة للعمال غير الرسميين قوة للنقابات العمالية”                                             

جون مارك موانيكا، النقابة المندمجة لعمال النقل وعموم العمال  (ATGWU) – أوغندا

حقق مشروع الاتحاد الدولى لعمال النقل بعض النتائج المتميزة ما بين عامي 2013 و2014. وزادت عضوية النقابات التابعة للمشروع بأكثر من 100000 عامل نقل غير رسمي جديد. وتأسست نقابات جديدة للعمال غير الرسميين، وتبنت خمسة عشر نقابة، في تسعة دول، استراتيجيات التنظيم الجديدة الخاصة بالعمال غير الرسميين. وزادت العاملات غير الرسميات في الاتحاد بنسبة 300%، وانتخبت نساء في الفترة الأخيرة لتمثيل العاملات غير الرسميات في لجان النقابة الوطنية في ست دول. 

وخلال المشروع، قامت النقابات المشاركة بشرح القضايا الرئيسية التي تواجه عمال النقل غير الرسميين، وتبادلت الآراء حولها وناقشتها استنادا على خبراتها المحلية في رسم الخرائط والتنظيم. وأدت المناقشات إلى الوصول إلى ميثاق دولي للعمال يطالب باحترام الحقوق الأساسية، والاعتراف بالنقابات، ووسائل تحقيق الحماية الاجتماعية، ووضع حد للتضييق والاستغلال والفساد. وأصبح هذا فيما بعد محور تركيز الفعاليات التي نظمتها نقابات عمال النقل غير الرسمية في أسبوع عمل نظمه  مشروع عمال النقل غير الرسميين الذي انعقد في أكتوبر 2016.

واتسعت عضوية النقابة المندمجة لعمال النقل وعموم العمال (ATGWU) في أوغندا بصورة هائلة من أقل من 5 آلاف عضو إلى أكثر من 80 ألف عضو في ثلاث سنوات، وذلك من خلال انتساب روابط العمال غير الرسميين، وخاصة الممثلة لمشغلي دراجات “بودا بودا” النارية بالأجرة وعمال الميني باص. 

وانضمت جمعية محطات سيارات الأجرة اللة في كامبالا (KOTSA)، التي تمثل 36 ألف عامل على سيارات الأجرة، إلى النقابة المندمجة لعمال النقل وعموم العمال (ATGWU) في 2015. وبعد المسار الذي أدى إلى معارك دارت بين العمال والشرطة، المصممة على منع الانتخابات الديمقراطية في الجمعية، تطلب الوضع الانضمام للنقابة المندمجة لعمال النقل وعموم العمال. وحين احتلت الشرطة مقر النقابة. قاوم قادتها تدخل الشرطة بحزم، موضحين أن تنظيم سائقي سيارات الأجرة أمر مشروع ويمثل عصب الأنشطة النقابية، وأعلنت في وسائل الإعلام عن دعوتها للإضراب احتجاجًا على اغلاق الشرطة لمكاتبها، مهددة بإيقاف العمل في المطار، بما يؤدي إلى وقف الحياة في كمبالا ، وهو ما دعا الرئيس موسيفيني إلى اصدار اوامره للشرطة بالتراجع، حيث تخوف من تصعيد النقابة والجمعية المدعومتين من الاتحاد الدولي للنقابات. 

وظهرت المواجهة وما تلاها من انتصار بوصفها لحظة حيوية في تنظيم العمال غير الرسميين، سواء  للنقابة المندمجة لعمال النقل وعموم العمال، أو النقابات الأخرى في شرق أفريقيا. ونشرت وسائل الإعلام الحدث على نطاق واسع، وأثر هذا بشدة على الحالة المعنوية للعمال غير الرسميين أعضاء الجمعية  وثقتهم في أنفسهم، فهو لم يكن انتصارًا ضد تدخل الشرطة في أنشطة الجمعيات فحسب، بل أيضًا ضد مضايقات الشرطة اليومية لعمال النقل غير الرسميين وابتزازهم. 

وبرهنت خبرة مشروع الاتحاد الدولي للنقابات مرة أخرى على إمكانية تنظيم العمال غير الرسميين. ففي بلدان عديدة وصل تدني العمالة الرسمية إلى منعطف حرج، أصبحت فيه النقابات غير قادرة  على تمثيل العمال أمام أصحاب العمل أو الحكومات بشكل مؤثر، ولم يعد باستطاعتها مواجهة الانهيار الكامل. وبالنسبة لبعض النقابات، صار تجنيد أكبر عدد من العمال غير الرسميين طوقًا للنجاة، بصرف النظر عن الصعوبات والتحديات، حيث الاختيارات محدودة.

وقد شجعنا المشروع أيضًا على تذكر تاريخنا، ففي البدايات الأولى للحركة العمالية، كان جميع العمال غير رسميين، حيث أسس العمال غير الرسميين النقابات الأولى في العالم، وكانوا روادًا للنضال من أجل ما نسميه  الآن “العمل اللائق”. وفي القرن الحادي والعشرين، أصبحت تغيرات المناخ الاقتصادي والسياسي العالمي تعني بشكل متزايد أن جزرًا صغيرة ومنكمشة من “العمل اللائق” تصارع للنجاة وسط بحور متزايدة من التوظيف غير الرسمي والعارض، وينبغي على نقابات كثيرة أن تتعلم مرة أخرى كيف ولماذا أسست النقابات في المقام الأول.  

 المراجع

Bonner, C. and Spooner, D. (2012) The only school we have: learning from organising experiences across the informal economy, Boston: WIEGO.
Bonner, C. (2017) ‘ITF Informal Transport Workers Project 2013-16 Evaluation Report’, Manchester: Global Labour Institute.
Nasasira, R. (2015) ‘The Boda Boda economy defining the streets of Kampala’. Daily Monitor, Kampala.
Spooner, D. and Whelligan J. (2017) The power of informal transport workers, London: ITF.
Spooner, D. and Mwanika, JM. (2017) ‘Transforming transport unions through mass organisation of informal workers: a case study of the Amalgamated Transport & General Workers’ Union (ATGWU)’, Kampala/Berlin: Friedrich Ebert Stiftung.
Reports, videos, background documents and more details of the project can be found at http://www.informalworkersblog.org/