كرونا

كوفيد-19 والمواطنون العالقون خارج أوطانهم

شارك:

على الرغم من مرور العالم بأكثر من جائحة صحية خلال القرنين الماضى والحالى، إلا أن وباء الانفلونزا بانواعه كان الأقسى، فمع نهاية الحرب العالمية الأولى مثلًا، في 1918، فاجأت الإنفلونزا الإسبانية سكان الكرة الأرضية الذين لم يكونوا على استعداد لاستقبال هذا الوباء، فراح ضحيتها 50 مليون إنسان دفعة واحدة.

ومع تقدم الطب بعد هذه الكارثة، ظلت الإنفلونزا الموسمية ضيفًا يحل علينا فى الشتاء خلال الخمسين عامًا الماضية كمرض اعتيادي يزورنا كلما انخفضت درجات الحرارة، لكنها كانت تحصد أرواحًا كثيرة مع ذلك، فبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، يقع ضحية للإنفلونزا الموسمية نحو نصف مليون شخص على مستوى العالم كل عام.

أما الفيروسات من عائلة كورونا، فسبق وانتشرت بصورة واسعة في عامي 2003 و2009، لكن لم تصل حد الجائحة أو الانتشار الوبائي العالمي كما حدث مع كوفيد-19، الذي عرض اقتصاد العالم للتراجع، وأغلق المصانع، وأوقف حركة التجارة العالمية، وحبس البشر فى بيوتهم أو فى المستشفيات. كان من آثار الجائحة الحالية توقف حركة الطيران العالمية اتقاء لانتشارها بين الدول، وهو ما أدى إلى احتجاز كثير من المواطنين خارج أوطانهم، إذ لم يتمكنوا من اللحاق برحلات الطيران الأخيرة لسبب أو لآخر.

ومن بين أضعف فئات العالقين هم العمال، مثل عمال الخدمات والإنشاءات والعمالة المساعدة فى مصافي البترول مثلًا، فهؤلاء يتلقون أجورًا ضئيلة يُرسل معظمها عادةً إلى أهاليهم في بلادهم الأم، فإذا وقعت كارثة مفاجئة كالوباء الحالي، وكان عليهم العودة الفورية دون استعداد، كان المشهد الذي رأيناه على شاشات التلفزيون وعبر وسائل التواصل الاجتماعي من استغاثات ومطالبات بالعودة ومناشدات للمسؤولين في بلادهم.

فكيف تصرفت الدول مع عمالها العالقين؟ وكيف أولتهم عنايتها واستجابت لمطالبهم بالعودة؟

كانت المغرب من الدول العربية التي رفضت عودة مواطنيها العالقين، بل لم تقدم تفسيرًا بشأن عدم إجلاء مواطنيها حتى الأسبوع الأول من أبريل 2020، ويتعلق الأمر هنا بمغاربة ليسوا مهاجرين إلى دول أجنبية، بل سياح أو زوار لأغراض مهنية أو طبية، فوجئوا بإغلاق الحدود في وجههم. وصل الأمر إلى منع أولئك الذين دخلوا إلى سبتة ومليلية المحتلتين من العودة إلى وطنهم، وهؤلاء لا يتطلب الأمر أي تحضيرات لإجلائهم، فقط قطع بضع أمتار من الحدود الفاصلة.

بدأ بعض المهاجرين في مطالبة حكومة المغرب بأن تتحمل مسؤوليتها وتعمل على تنظيم إعادتهم إلى وطنهم كما فعلت معظم دول العالم، لكن الحكومة المغربية لم تفرق فى رفضها عودة مواطنيها بين سائح وعامل، إلا أنها ما لبثت أن قالت إنها تعد بإعادة ما يقرب من 16,000 مواطن مغربي موزعين على أكثر من دولة أوروبية. وبرر رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني الوضع بجهود الحد من انتشار الوباء، مطالبًا العالقين بالصبر، واعدًا إياهم بأن هناك ترتيبات لإعادتهم إلى المغرب.

ومن بين الأخبار التي تواترت بهذا الشأن ما قيل عن وقفة احتجاجية لمواطنين مغاربة علقوا بفرنسا، وكان بين المناشدات شكوى لسيدة مسنة ذهبت لتلقي العلاج بفرنسا وكان مخططًا لها أن تبقى هناك أسبوعًا واحدًا، فإذا بها تعلق لشهرين كاملين، دون استجابة من حكومة المغرب لمناشداتها.

وفى سابقة قد لا نراها في غير الدول العربية، تمسكت الجزائر والبحرين ومصر بمواقفها السياسية من عداء لدول تركيا وقطر، فتجاهلت مواطنيها العالقين هناك. رفضت الجزائر عودة مواطنيها في تركيا على وجه التحديد وتبرأت منهم، بل وطالبت بالتحقيق الأمني معهم، وأطلقت تبريرات من قبيل أن بعض «الإرهابيين» من جنسيات أخرى قد يعودون معهم، في حين أنها خصصت طائرات من سلاحها الجوى لنقل مواطنين لها عالقين بالرباط فى المغرب. أما البحرين ففعلت الأمر نفسه مع مجموعة من البحرينيين العالقين في قطر، كأن رغبتها في حصار قطر أهم من عودة مواطنيها.

وعلى نفس المنوال، انتشرت بعض الأخبار عن رفض السلطات المصرية استقبال مواطنيها العالقين في قطر دون إبداء أسباب، وكانت بعض الشركات قد أنهت تعاقدها مع قرابة 400 مصري فور تفشى الوباء، ولم يستطيعوا العودة لمصر بعد رفضها للطائرة الإسبانية التي استأجرتها قطر لإعادتهم، ولم يرد المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر على مراسلات المجلس القطري بشأن المصريين هناك.

كذلك فعلت مصر مع مواطنيها العالقين في الكويت، التى تأتى تقديرات أعدادهم بين 8,000 و10,000، والذين عملت الحكومة الكويتية على تسكينهم في عدد من المدارس حتى تُحل مشكلتهم، بل وأعلنت دفع تذاكر طيرانهم في حال عودتهم إلى مصر. وحتى 4 مايو 2020 كانت الحكومة المصرية ممثلة في المتحدث الرسمى باسم مجلس الوزراء تتحدث عن جدولة العالقين فى الكويت، والتي صرح في حديثه أن العدد أكبر من الإمكانيات المتاحة للحجر، لذلك سوف يُنقلون فى 32 رحلة إلى مصر، تبدأ من يوم الأربعاء السادس من مايو.

على العكس من هذا الموقف، أعادت دول الخليج مواطنيها العالقين بالخارج الذين فاجأهم الوباء، فأعادت قطر مواطنين لها من مصر، والجزائر وتونس، وبدأت السعودية في 3 فبراير إجلاء مواطنين لها من عدة دول تشمل الفلبين وإيران وباكستان وتركيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة ومصر والعراق، كما أجلت 956 مواطنًا من جارتها البحرين، كانوا عالقين في الفترة الماضية. وحتى 31 مارس الماضي، استطاعت الكويت إجلاء 2,713 مواطنًا كانوا عالقين في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وإيران والإمارات والبحرين ومصر ولبنان.

بدورها، أجلت الإمارات 1,743 شخصًا من عدة دول حول العالم في 39 عملية إجلاء جوية وبرية، وعملت سلطنة عُمان على إجلاء مئات من مواطنيها العالقين في الهند والسعودية والأردن. وبالطبع لا يغيب عن الذهن إمكانات دول الخليج التي جعلت أدائهم بهذه السرعة والكفاءة، ولا يغيب عن الذهن أيضًا هشاشة المنظومة الصحية فى مصر وحجم التحديات التي تواجهها مع انتشار الجائحة.

كان العمال المصريون فئة منسية في أزمة العالقين منذ بدايتها، وبدأ إقصاؤهم فعلًا عندما أعلن رئيس مجلس الوزراء فى مؤتمره الصحفى فى 2 أبريل 2020 ضمن حديثه المفصل عن الأزمة والإجراءات التى اتخذتها الحكومة المصرية للحد من انتشار المرض، فقال إن المواطن العالق هو الذي سافر للسياحة أو حضور المؤتمرات أو العلاج أو حضور دورة تدريبية أو مهمة عمل، ولم يتعرض للعمال المصريين في الخارج باعتبارهم أضعف فئات الشعب المصرى على الإطلاق، وهؤلاء ليس من بين أهدافهم السياحة ولا العلاج ولا الدراسة، وإنما البحث عن لقمة العيش التي تعذر العثور عليها في بلادهم، وليس لهم مدخرات تعينهم فى مثل هذه الطوارئ على تحمل تكاليف الطيران أو الحجر الصحى.

ونورد هنا نماذج من تلك الاستغاثات عبر  يوتيوب، فمن ميناء ضبا بالسعودية جاء تسجيل فى الاسبوع الاول من ابريل، من دولة الكويت جاء تسجيل فى 12 أبريل

كررت وزيرة الهجرة من جانبها ما قاله رئيس مجلس الوزراء فى تعريف العالقين، فقالت إن الدولة المصرية لا تفرق بين أبنائها العالم منهم أو العامل، والمهاجر أو المقيم أو الزائر، لكنها فقط مسألة إمكانيات، والقدرة الاستيعابية للدولة بمواردها في هذه المرحلة لا تكفى إلا العالقين في تعريفهم الأضيق، ثم أضافت أنها ستعرض على رئيس الوزراء جدولًا لعودة  العالقين، مناشدة إياهم بتسجيل أنفسهم لدى السفارات والقنصليات. يعني هذا أن ينتظر العالقون عرض الجدول على رئاسة الوزراء، وبعضهم على وضعه منذ أشهر، فكيف ينتظر من تعرض للإخلاء من المدن الجامعية أو الشقق السكنية، ناهيك عن العمال المنتظرين فى صحراء ميناء ضبا، أو مراكز الإجلاء فى الكويت؟

ويبدو أن العالقين فى الكويت، بسبب كبر عددهم وتداول أخبارهم على مواقع التواصل الاجتماعى وما ذكر عن استضافة دولة الكويت لهم فى مراكز إيواء تشبه مخيمات اللاجئين، قد دفعوا الإعلامي محمود سعد لتناول أزمتهم فى حلقة برنامجه «باب الخلق» بتاريخ 12 أبريل، فطالب بضرورة إعادتهم، ولكنه رفع عن كاهل الدولة عبء توفير الحجر الصحى لهذا العدد الكبير، وطالب المواطنين المصريين عوضًا عن ذلك بتوفير شققهم المغلقة، أو حتى نصب خيام للعائدين، إذ حتى هذه ستكون أفضل من مخيمات الكويت الحالية.

استمر استبعاد ذكر العمال العالقين تارة بتعريف رئيس مجلس الوزراء للعالقين دون ذكرهم، وتارة بتصريح نائب رئيس الاتحاد العام  لأعضاء الجالية المصرية بالسعودية الذي استضافته قناة «بى بى سي عربي» ليتحدث عن المعتمرين على وجه الخصوص، ضمن العالقين مؤقتي الإقامة بالمملكة، دون أن يذكر العمال هو الآخر.

مآخذ كثيرة على أداء الحكومة المصرية فى أزمة العالقين من أبنائها، أولها التأخر فى إرجاع العالقين كلهم، وليس السياح والطلاب فقط، لكن أكثرها قسوة كان تحميل العائدين تكلفة الحجر الصحى فى فنادق بمرسى علم وبأسعار سياحية، إضافة لارتفاع مبالغ فيه فى تذاكر الطيران، وقد عممت الخارجية المصرية بيانًا فى سفاراتنا بالخارج بهذا الشأن، شمل تفاصيل الإقامة وكيفية الدفع.

وأخيرًا، أعلن رئيس مجلس الوزراء في 5 مايو أن الدولة سوف تخصص المدن الجامعية ونزل الشباب للعائدين من المصريين غير القادرين على تحمل تكاليف العزل الصحي فى الفنادق، وأنها ستوفر لهم الإعاشة والإقامة والخدمة الصحية، وعلى من يرغب في قضاء حجره الصحي في فندق أن يتحمل تكاليف إقامته.

ثم جاءت آخر تطورات موقف المواطنين المصريين العالقين بالكويت في خبر يفيد عودة 162 مواطنا فى أول فوج يوم الجمعة 8 مايو في رحلة استثنائية لشركة «إير كايرو»، نُقلوا فور وصولهم إلى الأماكن المخصصة للحجر الصحي وفق توصيات وزارة الصحة كإجراء احترازي. لم يذكر الخبر أي تفصيلات عن هؤلاء العائدين، وهل هم من كبار السن أو الفئات ذات الأولوية مثل المرضى أو النساء أو الأطفال، ولم يذكر كذلك أي توضيح لما سبق أن ذكره المتحدث باسم مجلس الوزراء عن جدول الرحلات المقررة فعلًا لإجلاء العالقين المصريين من الكويت.

وهكذا، على الرغم من أن بداية إجلاء العالقين من الكويت هو خبر انتظرناه كثيرًا، إلا أن أعداد العالقين وظروفهم القاسية في الكويت والسعودية وغيرها يدعو لضرورة التحرك بصورة أسرع من أجل إنهاء الأزمة.

 

تابعنا علي فايسبوك

القائمة البريدية

للإشتراك في القائمة البريدية