العدالة البيئية

البحث عن العدالة المناخية في الاتفاقيات الدولية

المقدمة

تزداد  تداعيات التغير المناخي عالميًا بشكل سريع ومُطَّرِد، مصر من أكثر البلاد عُرضة للاضطرابات المناخية والبيئية. وطبقًا لملف المخاطر المناخية لمصر، فإن الزيادة المتوقعة في درجات الحرارة  بحلول عام 2050 سوف تتراوح بين درجتين وثلاث درجات مئوية. وهذا سوف ينتج عنه هطول أمطار الغزيرة، وحدوث فترات طويلة من الجفاف، وموجات حرارية طويلة الأمد. كما من المتوقع زيادة منسوب سطح البحر في دلتا النيل بمقدار 3 سم إلى 61 سم بحلول عام 2085. بالإضافة إلى ذلك، ثمة زيادة متوقعة في العواصف الرملية والترابية من حيث الكثافة والتردد. كما سوف تؤدي التغيرات التي تطرأ على المناخ إلى انخفاض مياه النيل الصالحة للشرب، والري، وكذلك الحال بالنسبة لإمدادات الطاقة المائية. علاوة على ذلك، فإن التغيرات في تدفق نهر النيل سوف تؤثر بشكلٍ مباشر على حدوث الجفاف والفيضانات. وبالنظر إلى أن السكان في مصر يعتمدون في المقام الأول على نهر النيل بحوالي 95% من احتياجاتهم من المياه، فإن هذه الضغوط سوف تخلق العديد من الصراعات، كما سوف تنتج عنها خسائر غير مسبوقة.

إن الخسائر الناتجة عن تغير المناخ سوف تضر بالأساس الفئات الأشد ضعفًا في المجتمع. وإذا أخذنا الزراعة كمثال، نرى أنها تشكل 30% من العمالة في مصر (باستثناء النسبة الكبرى من العمالة الزراعية غير الرسمية وغير المسجلة).  ونتيجة لارتفاع معدل درجات الحرارة، سوف يتضاعف الطلب على المياه لإنتاج المحاصيل، إضافة إلى تسرب المياه المالحة إلى الأراضي الصالحة للزراعة الصغيرة في مصر (والتي تشكل 2.8% فقط من إجمالي مساحة مصر). كما سوف تزداد الخسائر في المحاصيل الزراعية، وبالتالي في العمالة الزراعية. نتيجة لما ذكرناه، إن مستقبل هؤلاء الـ30%، وكذلك الأمن الغذائي في مصر، يبدو على محك الخطر و مُظلمًا بنسبة كبيرة.

وما هذه إلا مجرد صورة عامة مبسطة عن بعض التأثيرات الجيوفيزيائية لتغير المناخ في مصر. لكن الأمر يمتد إلى أبعد من ذلك. فتغير المناخ يجبرنا حاليًا على التفكير فى مسألة تأثير التدهور البيئي على المجتمعات على نحوٍ غير متكافئ، وكيفية تفاقم المشكلة هيكليًا بسبب الأنظمة الاقتصادية. إن القصص الرسمية تتوقف في كثيرٍ من الأحيان عند التأثيرات البيئية والاقتصادية لتغير المناخ، دون التطرق إلى العوامل الجيوسياسية والتاريخية المستمرة في إنتاج المزيد من الظلم البيئي. إن التغير المناخي تبدو حدته في مصر واضحة. وما يزيد الأمر سوءً، عدم إدراج العدالة الاجتماعية في خطة الحكومة لتفادي ما سوف يسببه تغير المناخ أو على أقل تقدير التكيف معه.  بل تستمر الإشادة بخطط التنمية الاقتصادية التي تهدد الأنظمة البيئية وسبل عيش الشعب. ولا يزال الخبراء لا يشككون في استدامة الأهداف الاقتصادية الرأسمالية في مصر.

كما أن النظام الدولي لحوكمة المناخ، والذي ترأسه اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) في المقام الأول، لا يتضمن على نحو كاف الاعتراض على الاستراتيجيات الاقتصادية القومية التي تزدهر بقوة استغلال الموارد وتكديسها. وعلى الرغم من أن مصر عضوة في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وموقعة على بروتوكول كيوتو، واتفاقية باريس، إلا أن المدى الذي تساعد فيه الاتفاقيات الدولية حول المناخ مصر على مواجهة التغير المناخي لا يزال موضع شك. كما فشلت الاتفاقيات الدولية -حتى الآن- في الاعتراف بأن التحول إلى “نظام كربون منخفض” لا يمكن أن يحدث سوى برفض ضرورات الاقتصادات السياسية الرأسمالية بالأساس. وسوف تستمر مساهمة النمو الصناعي، الذي لا يثار أي جدل حوله، في انتشار انبعاثات الكربون والتدهور البيئي.  

ولهذا السبب، هناك الكثير من التشكك فيما يتعلق بفعالية دبلوماسية المناخ الدولية، حيث أن “العدالة المناخية” لا تزال معرضة للخطر من أجل ضمان الثروة والربح.

إن “العدالة المناخية” تدور حول فهم أن التغير المناخي ليس ظاهرة طبيعية يمكن التعامل معها من خلال إصلاحات علمية مبتكرة. ولكنه مفهوم يُرجع جذور الأزمة المناخية إلى تاريخ الأنظمة الاقتصادية التي لا تزدهر سوى باستغلال ممنهج للموارد الطبيعية، وتجريد المجتمعات الكبرى (سواء من البشر أو غير البشر) من منازلها، وأراضيها، ومنظوماتها الإيكولوجية، في الوقت ذاته الذي يتفاقم فيه تغير المناخ. وإذا كانت الإدارة الدولية للمناخ لا تزال تعطي مساحة للحلول القائمة على فلسفة السوق، متجاهلة الظلم السياسي والاقتصادي الذي ترتكبه العديد من الحكومات (التي يصادف أنها طرف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ)، فمن المحتمل أن تصبح معاهدات المناخ دون أي جدوى. فما نحتاج إليه فعليًا هو استراتيجية تتحدى العوامل السياسية والاقتصادية التي تؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري والظلم المناخي.

وفي حين أن مصر واحدة من أقل بلدان العالم من حيث الانبعاثات الغازية، فإن إدارة تغير المناخ مهمة، ولا يجوز -كما يفعل البعض- أن ننفي أهميتها. فكما ذكرنا مسبقًا، تعد مصر واحدة من أكثر الدول عُرضة لتأثيرات تغير المناخ. هذه التأثيرات –التي تحقق بعضها بالفعل– سوف تؤثر سلبًا على الناس بشكل غير متساوٍ. وفيما يتعلق بتدابير التكيف، تقع على عاتق مصر مسؤولية كبيرة لضمان عدم وجود تفاوت اجتماعي في العيش في ظل ظروف تغير المناخ. ولكن إلى أي مدى تحافظ مصر على هذه المسؤولية؟

نحاول، في هذه السلسلة القصيرة، أن نجيب عن هذا السؤال من خلال النظر في الوعود والاستراتيجيات المصرية الرسمية لمكافحة تغير المناخ من خلال تدابير التكيف والتخفيف. في المقال الأول، نقوم بتحليل “المساهمات المحددة وطنيًا“، وهي وثيقة قدمتها الحكومة في عام 2015، قبيل مفاوضات اتفاقية باريس. وفي المقال الثاني، نقوم بتحليل الجهود الوطنية المصرية المقترحة لحماية التنوع البيولوجي. أما في المقال الثالث والأخير، نتناول إمكانات العدالة الاجتماعية في إجراءات التكيف. والهدف الرئيسي من أول مقالين هو إظهار دور خطط مصر الوطنية في تعزيز -أو عدم تعزيز- مبادئ العدالة المناخية. أما في المقال الأخير، نقترح مقاربة نظرية لتدابير التكيف التي تؤدي إلى سياسات التحويلية بدلاً من انهزامية. وأخيرًا، إن “العدالة المناخية” لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تغييرات حقيقية على أرض الواقع، وليس صياغة المزيد من السياسات وجمع التوقيعات.

لتحميل التقرير

لقراءة التقرير