عداد الديون

العدالة الاقتصادية

العدد 3: أثر القرض على الخدمات العامة والضمان الاجتماعي

استمرت الاحوال الاقتصادية السيئة التي ادت إلى ثورة 25 يناير 2011 بعدها و ازدادت سوئاً. تمثلت في اختلال ميزان المدفوعات والمبالغة في تقييم الصرف، ونقص العملة الأجنبية، وعجز كبير في الموازنة العامة. وأدى ذلك إلى تصاعد الدين العام، وانخفاض في النمو مصحوبًا ببطالة مرتفعة. توجهت الحكومة إلى محاولات ترمي إلى تحسين الحالة الاقتصادية وتقليص عجز الموازنة العامة والاستدانة من صندوق النقد الدولي. وهكذا، اعتمدت الحكومة برنامجاً مدعوماً من صندوق النقد الدولي منذ 2014. وفي عام 2016 بعد زيارة وفد الصندوق لمصر، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد على عقد “اتفاق ممدد” يتيح لمصر 8.5966 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (422% من حصتها في الصندوق أو حوالي 12 مليار دولار أمريكي) لدعم برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي من خلال “تسهيل الصندوق الممدد” الذي يغطي ثلاث سنوات.

وجه صندوق النقد الدولي مصر إلى حزمة سياسات صارمة وفق برنامج اقتصادي يهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين، وتخفيض العجز، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية، أملًا في تشجيع النمو. وعليه طالب السلطات باعتماد نظام سعر الصرف المحرر مدعومًا بسياسة نقدية ذات طابع انكماشي، فضلًا عن دعم إجراءات تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتخفيض دعم الوقود، وإدارة الأجور في القطاع العام بشكل مخفض. 

وجاء ذكر التأثير السلبي لهذه الإجراءات على الفقراء، في إشارة إلى إمكانية استخدام جزء من الوفر المحقق في المالية العامة، بما يعادل 1% من إجمالي الناتج المحلي، لتقوية شبكات الأمان الاجتماعي. ويوجه هذا المال من خلالها إلى زيادة الدعم على السلع الغذائية، والتحويلات النقدية للمسنين والأسر محدودة الدخل، وغيرها من البرامج الاجتماعية الموجهة للمستحقين، بما في ذلك زيادة الوجبات المدرسية المجانية. ويعمل ذلك على تنفيذ برامج تقدم دعمًا مباشرًا للأسر الفقيرة كبديل لدعم الطاقة.

وكانت نتيجة هذه السياسات التقشفية ارتفاع مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر في المراجعة الرابعة للبنك الدولي وفقاً لبرنامج التسهيل الممدد، ليصل إجمالي النمو إلى 5.6% والعجز الكلي 8.2 بدلاً من 9.8 في بداية البرنامج. وفي عام 2020، وفي ظل أزمة كوفيد، وافق الصندوق على اتفاق “الاستعداد الائتماني” مع مصر، والذي مدته 12 شهرًا. يتيح الحصول على قرض كلي بقيمة 5,2 مليار دولار أمريكي تقريبًا، لمواجهة احتياجات تمويل ميزان المدفوعات الناشئة عن جائحة كوفيد-19. ويرمي الإجراء إلى الحفاظ على مكتسبات الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بالبرنامج السابق، ودعم الإنفاق الصحي والاجتماعي لحماية الفئات المعرضة للتأثر، وإعطاء دَفعة لمجموعة إصلاحات هيكلية رئيسية تضع مصر على أقدام ثابتة في مسار التعافي المستمر، مع تحقيق نمو أعلى وأشمل لكل فئات المجتمع، وخلق فرص العمل على المدى المتوسط. وأشاد صندوق النقد بالنهج الذي اتبعته مصر في مواجهة الصدمة الوبائية كوفيد-19 بدعم من أداة التمويل السريع لعام 2020 (RFI) والترتيب الاحتياطي 2020-2021 (SBA). 

وفي حين تم إرجاع تأخر تحقيق الإصلاح الهيكلي إلى الأزمة الصحية والدين العام، إلا أنه حتى مع اكتساب الانتعاش الاقتصادي زخمًا خلال السنة المالية 2022/2021، بدأت الاختلالات في التراكم مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا وارتفاع أسعار السلع الأساسية نظرًا لاعتماد مصر على روسيا وأوكرانيا في استيراد القمح. ومع خروج رؤوس الأموال من مصر وتراجع إيرادات قطاعي السياحة والتجارة، اتخذت السلطات في أكتوبر،  إجراءات سياسية جريئة تمثلت في التحول إلى سعر صرف مرن

واستكمل المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي مراجعة الأداء الثانية والأخيرة في ظل برنامج مصر للإصلاح الاقتصادي المدعوم باتفاق الاستعداد الائتماني الذي مدته 12 شهرًا. ويتيح للسلطات سحب مبلغ قدره 1158,04 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 1,7 مليار دولار أمريكي). وبذلك تصل القيمة الكلية لعمليات الشراء إلى 3763,64 وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 5,4 مليار دولار أمريكي أو 184,8% من حصة عضوية مصر)

في مارس 2022، طلبت مصر برنامج تمويل من صندوق النقد الدولي، يخفف وطأة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على مواردها الدولارية وموازنتها العامة التي تأثرت بارتفاع قياسي لأسعار وارداتها. ومع حلول شهر أكتوبر، بدأت بوادر التوصل لاتفاق مع الصندوق. ولكن تردد الحديث عن  عدم التوصل للاتفاق، ووصفت مطالب صندوق النقد الدولي في الجرائد الرسمية بأنها “طلبات قاسية”، قد تتضمن ترشيد الدعم. وفي الوقت نفسه، انتقدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي آليات تسعير الصرف في مصر. وطالبت بمزيد من مرونة سعر الصرف للمحافظة على الاحتياطات الأجنبية لدى البنك المركزي. وفي أغسطس، قدم محافظ البنك المركزي المصري السابق طارق عامر استقالته من منصبه. ثم عُين حسن عبدالله قائمًا بأعمال محافظ المركزي في الشهر نفسه. وصدرت تصريحات لوزير المالية محمد معيط أعلن فيها أن الحكومة تسعى لتخفيف حدة الأعباء المالية الحالية على المواطن. كما قال إنه “لا يجب تحميل المواطن المصري بالكامل أعباء أزمة مالية عالمية”. ولم تعلن الحكومة أو صندوق النقد الدولي عن المفاوضات أو قيمة القرض علنًا.

وفي ديسمبر 2022، وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على ترتيب لمصر مدته 46 شهرًا، في إطار تسهيل الصندوق الممدد (EFF) بمبلغ 2,35017 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (ما يعادل 115.4 في المائة من الحصة أو حوالي 3 مليارات دولار أمريكي.) ويتيح قرار المجلس التنفيذي الدفع الفوري لمبلغ 261.13 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (ما يعادل حوالي 347 مليون دولار أمريكي)، مما يساعد على تلبية احتياجات ميزان المدفوعات وتقديم الدعم للميزانية. ومن المتوقع على مدار البرنامج، تحفيز EFF تمويلًا إضافيًا بحوالي 14 مليار دولار أمريكي من شركاء مصر الدوليين والإقليميين. ويتضمن ذلك التمويل الجديد من دول مجلس التعاون الخليجي وشركاء آخرين، من خلال التجريد المستمر للأصول المملوكة للدولة، والأشكال التقليدية للتمويل من ديون متعددة الأطراف وثنائية.

كان من المتوقع وصول النمو إلى 2,8% في السنة المالية 2020/2021، وتحقيق تعافي قوي يصل به إلى 5,2% في السنة المالية 2021/2022. ولكن بدأ الحديث عن صعوبة ذلك بسبب ارتفاع الدين العام والاحتياجات التمويلية المطلوبة. إذ يعني الانتعاش المتوخى في النمو العودة إلى مستوى ما قبل الأزمة، وذلك اعتبارًا من السنة المالية 2022/2023، فيعود الدين العام إلى مسار الانخفاض المطرد.

وفقًا لأخر التحديثات، كان صندوق النقد على دراية بما يحدث. وبدا ذلك في توقعاته عن مصر، التي تردد في أدبياته أنها تواجه بالفعل توقعات صعبة للغاية. وانخفضت توقعاته للنمو عام 2023 و2024 بسبب تكاليف التمويل المرتفعة للغاية التي تواجهها مصر، وانخفاض قيمة العملة وتأثيرها على الاقتصاد، فضلاً عن استمرار تراكم الواردات، وتقنين العملات الأجنبية. أدت كل هذه العوامل إلى خفض ثقة الأعمال والمستهلكين، بما يؤدي إلى انخفاض مؤشرات النمو هذا العام والعام المقبل. وأصبح النمو الحالي 4.2، والمتوقع له  3.7  في العام القادم 2024.

 أدت السياسات الانكماشية المتبعة إلى ارتفاع التضخم الكلي، الذي ارتبط بتآكل الدخول المحدودة بسبب إنخفاض القيمة الحقيقية للأجور نسبة لإرتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية. وشكل هذا عبئًا على طبقات معينة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة. فعلى الرغم من تحقيق برنامج الإصلاح الاقتصادي مؤشرات إيجابية على مستوى الإقتصاد الكلي، كان الأثر الاجتماعي فادحًا. وتظهر البيانات المحدثة أن 33 مليون مصري تحت خط الفقر، وقرابة 30 مليون معرضون للسقوط تحت خط الفقر. واعتمد النظام الاقتصادي على إعادة هيكلة الموازنة لزيادة الواردات وتخفيض المصروفات، دون اعتماد سياسة إنتاج واستثمار توفر مزيدًا من فرص العمل أو إيرادات جديدة بعيداً عن الضرائب والقروض.

ويجدر الانتباه إلى مؤشر خط الفقر القومي، الذي يحسب تكلفة القدرة على الإنفاق في سبيل الحصول على المكون الغذائي وغير الغذائي، أو خط الفقر القومي المدقع المعني بتكلفة المكون الغذائي فقط. وبتتبع هذه القيم، يظهر التأثر البالغ بسياسات تحرير الصرف ومعدلات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية. ويقدر خط الفقر القومي بقيمة 8.8 ألف سنوياً للفرد، والمدقع بقيمة 5.5 ألف سنوياً للفرد في عام 2017/2018، في مقابل 5.8 ألف للفقر و3.9 ألف للفقر المدقع عام 2015

للإطلاع علي تقرير: