عداد الديون

العدالة الاقتصادية

اقتصاد المصلحة العمل عبر المنصات الإلكترونية و سيادة منطق “السبوبة”

أسفرت الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨ عن تغيرات جوهرية في الاقتصاد وأشكال العمل. وإذ فقد موظفون وعمال كثيرون وظائفهم، نتج فائض ضخم في العمالة، وأصبح هناك آلاف من العمال في حاجة ماسة لمصدر مالي ينجيهم ويمكنهم من ومواصلة الحياة اليومية. وبالتالي، مثل فائض العمالة ضغطاً كبيراً على الأجور. وفي الأثناء نفسها، شهدت المنصات الإلكترونية والاقتصاد الرقمي عمومًا طفرة في الانتشار. واتجه كثيرون للعمل من خلالها بسبب قدرتها على امتصاص فائض العمالة وتوفير مصدر سريع للدخل. ولكنها في المقابل، تحرر المستثمر تمامًا من العلاقة التعاقدية في مثل تلك الانماط للعمل، حيث تغيب العقود القانونية أو الالتزام بتوفير أيًا من حقوق العمل؛ مثل توفير أجر ثابت وحقوق السلامة والصحة المهنية والالتزام بساعات عمل محددة، وغيرها. وأسفر هذا بالطبع عن خلل في ديناميكيات العمل. 

وهكذا، أصبح العمل في المنصات ظاهرة كبرى. ولكن، تجدر الإشارة إلى اتخاذ الأزمات المالية كذريعة لتمرير مجموعة من السياسات والإصلاحات الاقتصادية، بدعوى إنقاذ الإقتصاد. وتتمثل تلك الإصلاحات غالبًا في فرض سياسات تقشفية، وانسحاب أكبر للحكومات من قطاعات الاقتصاد عبر الخصخصة، والاقتصار على تقديم الخدمات. لذلك لا يمكن فصل الطفرة التي حدثت في  الاقتصاد الرقمي عن الأزمة المالية العالمية في 2008، التي تسببت في مزيد من سيادة الأمولة والمراجحة والمضاربة وتطور الأدوات المالية. وقد تطلبت الأمولة، حتى تصل لهذا المستوى من الهيمنة والاندماج في الاقتصاد العالمي، استثمارًا كثيفًا في التكنولوجيا والبرمجيات. ويمكننا اعتبار ذلك إعادة تشكيل للرأسمالية، وامتدادًا أخرًا للنموذج النيوليبرالي الذي عمل على تسويق خطاب ريادة الأعمال و تبنى انتشارها.

وتأتي هذه الورقة ضمن سلسلة من الأوراق البحثية تدرس التغيرات الاقتصادية والمفاهيمية بعد الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨. وستتخذ الأولى منها عنوان “ريادة الأعمال تحت المجهر  – اليد المرئية للأزمات الاقتصادية”، وحاولنا فيها دراسة التطور التاريخي لمفهوم ريادة الأعمال بالتماشي مع التحول النيوليبرالي، ومن ثم البحث في علاقة ريادة الأعمال بالأزمة المالية وازدهارها الواسع بعدها. وبالتالي، نحاول في هذه الورقة دراسة المنصات الإلكترونية، التي شكلت نموذجًا انتشر بعد الأزمة، وارتبط بريادة الأعمال بشكل وثيق. كما نحاول دراسة نمط الاقتصاد القائم على تلك المنصات. 

ورغم انتشار الظاهرة، خاصة في منطقتنا، التي يمثل الاقتصاد غير الرسمي جزءً ضخمًا من الاقتصاد فيها، اكتشفنا شحًا شديدًا في الدراسات التي  تتناولها من النواحي المختلفة، سواءً الاقتصادية أو السياسية أو القانونية أو الانثروبولوجية..إلى آخره. ولذلك تتناول الورقة في محورها الأول تعريف الظاهرة، وتعرض نماذجًا مختلفة منها، وتشرح المصطلحات الأكثر استخداماً في تناولها، مع التركيز على نمط الاقتصاد القائم المتمثل في ما يسمى بالمنصات الاتكالية Lean Platforms (ستأتي تفاصيله فيما بعد). أما في المحور الثاني، فنتعرض فيه إلى أشكال عمل منصات مختلفة داخل مصر، ثم
نحاول في المحور الأخير تحليل الأنماط المتشابهة في المنصات الاتكالية.