ربما يعلم المعتادون على استخدام التطبيقات الإلكترونية في طلب سيارة بالأجرة، مثل “أوبر” أو غيره، أن أغلب السائقين –الشركاء كما تطلق “أوبر” عليهم- لا يفضلون الآن طريقة دفع الأجرة بالبطاقة الائتمانية. وعادة ما يبحثون ذلك مع الراكب في بداية الرحلة. ويكون محور المناقشة، وبالذات في الرحلات الطويلة، اقتراح السائق إلغاء الرحلة وطلب أخرى جديدة بعد تحويل نظام الدفع ليصبح نقديًا. وقد يصل الأمر ببعض السائقين إلى إلغاء الرحلة، إذا رفض الراكب تسليم الأجرة نقدًا في نهايتها.
وقد يستاء بعضنا من هذا بسبب ما يمثله من تقييد لحريته في اختيار طريقة الدفع المناسبة له. ولكن يمكن التكهن بأن السائق قد لا يملك المال الكافي لتزويد سيارته بالوقود حتى يستطيع الاستمرار في العمل، أو أنه يحتاج العودة لبيته ببعض المال اللازم لإعاشة أسرته.
وقد يدلنا ذلك على الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيء الذي يعيش فيه هؤلاء السائقين، الذين ينتمي كثير منهم للطبقة الوسطى. إذ نعتقد أن أكثر المتجهين للعمل مع “أوبر” وغيرها يمتلكون تعليمًا يُفترض به تأهيلهم لوظائف مستدامة بشروط عمل أفضل.
وقال لنا أحد السائقين، وهو مدير سابق في إحدى الشركات، أن العمل سائقًا عبر التطبيقات يمثل حلًا سريعًا فوريًا للباحث عن عمل لمواجهة أعباء إعاشة أسرته. فلا يستطيع المرء النزول للعمل في اليوم التالي لاتخاذه هذا القرار، والعودة في آخره بعائد يستطيع الإنفاق منه. ولكنه على المدى المتوسط والبعيد، يؤدي هذا النمط من العمل إلى إهلاك صحة السائق ورأسماله، أي السيارة.
ويؤكد على هذا موقع ايجى كار، حيث ذكر أن الاستهلاك السريع للسيارة يعد من عيوب العمل مع شركة “أوبر”. وأن السائق كي يحصل على حوالي عشرة آلاف جنيه شهرياً لاعمل أبد له من العمل أكثر من 60 ساعة أسبوعيًا.
وأخبرنا السائق نفسه أنه لا يعرف بدقة طريقة حساب النسبة التي تتقاضاها “أوبر” منه. فوفقًا لحساباته، يخصم منه في بعض الأوقات أكثر من 30% من دخله، بينما يخصم في أوقات أخرى 25% منه. وفي حالة مرضه أو تعطل السيارة، يتحمل وحده، دون أي مشاركة من “أوبر”، نتائج توقف العمل وتكلفة الصيانة. ويكون وحده أيضًا المتحمل لأي مشكلة تقع له في الشارع.
هل علاقة العمل مع “أوبر” حرة؟
أدعى مروجو الفكر الرأسمالي، ومازالوا، أن علاقة العمل بين العامل والرأسمالي علاقة حرة، على خلاف علاقات العمل السابقة على الرأسمالية، مثل علاقة العبد بسيده أو الإقطاعي بالأجير لديه. ويواصلون دعايتهم حول حرية العامل في بيع قوة عمله للرأسمالي، بالتساوي مع حرية الرأسمالي في شراء قوة العمل تلك. ومع هذا، يعلم الجميع افتقار العامل لأي حرية في بيع قوة عمله لصاحب العمل، لأنه سيعرض نفسه وأسرته للموت جوعًا إذا لم يعمل، حيث إنه محروم من امتلاك أيًا من وسائل الإنتاج.
ويظهر حاليًا في دعاية شركة “أوبر” على موقعها، أنها تبيع الوهم من جديد للسائقين الخاضعين لاستغلالها، فتشجعهم على مزيد من العمل حتى يحققوا مزيدًا من الدخل، في حين أنها تستنزف مزيدًا من الأرباح في حالة عمل السائق لوقت أطول. وتسرف في إغرائهم بحديث طويل حول إدارة السائق لنفسه، وغياب أي مدير يتحكم فيه، وأنه كلما قاد سيارته علي الطريق أكثر سيكسب مزيدًا من المال.
والجديد في وضع “أوبر” وأخواتها، أنها لا توفر أيًا من وسائل الإنتاج، في حين كان الرأسمالي التقليدي يوفرها كلها، فلا يكون على العامل حينئذ سوى تقديم قوة عمله فقط. ففي حالة “أوبر”، يوفر السائق – العامل – جميع وسائل الإنتاج المتمثلة في السيارة. وإلى جانب هذا، لابد من خضوع السيارة لشروط محددة؛ فيجب أن تكون مرخصة، مع تحمل السائق لتكاليف الترخيص التي ارتفعت جدًا مؤخرًا، وأن تكون رخصته الشخصية سارية. ولا تكتفي الشركة بذلك، بل تؤكد على السائق ضمن شروطها في الدليل المنشور على موقعها: “يجب تاخد بالك من إنك لازم تحافظ على عربيتك نظيفة مع صيانتها بشكل دوري، وهتزوّدها بالبنزين اللازم علشان توصّل العملاء. كمان هتحتاج تسدّيد العمولة اللي بتاخدها “أوبر” (أي النسبة اللي تحصل عليها الشركة من إجمالي الأجرة).”
“أوبر” تستنزف مزيدًا من الأرباح
في 2021، كانت النسبة التي تستنزفها “أوبر” من حصيلة السائقين على مستوى العالم 19%، وصلت إلى 27% عام 2022، وما يقرب من 29% عام 2023. وتأخذ النسبة شكل رسوم من خلال منصتها لمشاركة الرحلات (منصة التوصيل). أما بالنسبة لمنصة “أوبر” لتوصيل الطعام – النشاط الذي انتعش خلال أزمة كورونا- فكانت تستحوذ من كل حجز على منصة التوصيل 16% عام 2021، و20% عام 2022، و 19,15% عام 2023.
وبدأت “أوبر” في مراكمة أرباحها عام 2023 لأول مرة في تاريخها، فبلغ صافي ربحها حوالي 1.9 مليار دولار، بينما حصلت على إيرادات صافية قدرها 37 مليار دولار. أما في السنوات السابقة على ذلك، فقد حققت خسارة صافية قدرها 9.14 مليار دولار عام 2022، مع إيرادات صافية قدرها 31.9 مليار دولار تقريباً. وفي عام 2021، حققت خسارة صافية قدرها 496 مليون دولار مع حوالي 17.5 مليار دولار إيرادات صافية .
وكان تركيز “أوبر” في سنوات الخسارة منصبًا علي النمو بأي ثمن. فعملت على زيادة عدد السائقين والمستهلكين لديها. واستخدمت في هذا تقديم حوافز مغرية لكل من الفريقين. وهكذا، بينما كان عدد المستهلكين النشطين شهريًا على منصات “أوبر” 91 مليون عام 2018، أصبحوا 150 مليون مستهلك عام 2023.
وفي 2017، حتى يقنع ” دارا خسروهاشي” بقبول منصب المدير التنفيذي في “أوبر”، وافقت الشركة على منحه خيار الحصول على 1.75 مليون سهم بها إذا حقق مستهدف قيمته إلى 120 مليار دولار، وظل بمنصبه لمدة خمس سنوات. كما أغرت شركة “أوبر” رئيسها التنفيذي الجديد، خسروشاهي، بمكافآت ضخمة تصل إلى 200 مليون دولار، تعويضاً عن خسارته نتيجة فسخ عقده مع شركة “إكسبديا” التي عمل بها لمدة 12 سنة.
وبدأ حصد الأرباح في 7 فبراير 2024، اليوم الذي أعلنت فيه شركة “أوبر” أول ربح سنوي في تاريخها. وانضمت أخيراً إلى مؤشر “ستاندرد أند بورز 500”. كما وافق مجلس إدارتها في 14 فبراير على خطة لرد ما يصل 7 مليارات دولار إلى حملة الأسهم. وحصل المدير التنفيذي، خسروهاشي، على خيار شراء أسهم في الشركة بقيمة 136 مليون دولار بعد تمكنه من تحقيق مستهدف وصول تقييم الشركة إلى 120 مليار دولار.
في الوقت الذي ترتفع فيه النسبة التي تستحوذ عليها شركة “أوبر” من السائقين، وتدفع بسخاء لمديرها التنفيذي، وحاملي الأسهم، ينخفض الدخل الشهري للسائقين وعمال التوصيل، حيث قل عام 2023 بنسبة 17% مقارنة مع العام السابق. وعلى أساس تحليل بيانات 500 ألف سائق، يطرح بعض المحللين أن تحقيق “أوبر” لمعظم أرباحها جاء من تقليل مدفوعات السائقين. وتؤكد “أوبر” من جانبها على ثبات النسبة الإجمالية التي تحصل عليها من رحلات السائقين إلى حد كبير. ومع انخفاض متوسط دخل سائقيها في الولايات المتحدة بنسبة 5.7% خلال الربع الرابع من 2023، ليصل إلى 33 دولار في الساعة، مقارنة مع 35 دولار في الساعة عام 2022، بالإضافة إلى تراجع الحوافز، إلا إنها تؤكد ارتفاع دخل السائقين بنسبة 30% تقريباً على مدى السنوات الست الماضية.
“أوبر” في مصر
بدأت شركة “أوبر” أعمالها في مصر منذ عام 2015. وفي 2016، أعلنت “أوبر” أن إجمالي عدد السيارات العاملة على منظومتها في مصر يبلغ نحو 45 ألف سيارة. وحينها، تخطى عدد العاملين بكل من “أوبر” و”كريم” المشاركتين بالمشروع حجم 100 ألف عامل، بالإضافة إلى أصحاب السيارات.
وفي يناير 2019، أعلن المدير التنفيذي لشركة “أوبر” أن عدد العاملين خلال الشركة في مصر 200 ألف، مضيفاً “إن “أوبر” لا تنظر لمصر كسوق لخدماتها فقط، وإنما كمركز إقليمي لخدمات الشركة فى الشرق الأوسط، ومن ثم فقد استثمرت الشركة 100 مليون دولار فى إنشاء مراكز تفوق وخدمة عملاء لخدمة أفريقيا والشرق الأوسط، ويعمل بها نحو 500 شاب مصرى”.
وفي مايو 2020، ذكر بعض العاملين بشركة “أوبر” إنهم وصل إليهم نبأ بتسريح حوالى 40% من العاملين بمكاتب الشركة فى مصر، من إجمالي عدد العاملين الذين يتراوح ما بين 650 إلى 700.
وفي الوقت نفسه، أعلنت “أوبر” أنها ستلغي حوالي 3700 وظيفة بدوام كامل عالميًا، أي ما يعادل 17% من عدد موظفيها. وفي يناير 2022، أعلنت “أوبر” أن عدد السائقين لديها في مصر 703 ألف سائق. وطبق النشرة السنوية للقوى العاملة كان عدد المشتغلين، بخلاف العاملين بالحكومة والقطاع العام، 22343 مليون ، أي أن عدد السائقين لدي “أوبر” يمثل حوالي 3% من المشتغلين.
متوسط دخل السائقين من “أوبر” في مصر
قدر إحد المواقع أن صافي الدخل الشهري لصاحب السيارة في “أوبر” و”كريم ” عام 2016 يبلغ حوالي 8 آلاف جنيه، بما يعادل نحو 430 دولاراً، فضلًا عن رواتب السائقين، حيث يحصل كل منهم على دخل شهري يصل إلى 5 آلاف جنيه، بما يعادل أكثر من 300 دولار.
وفي يوليو 2021، قدر موقع إيجي كار أن الدخل الشهري للعاملين مع “أوبر”، لمدة عشرة ساعات يومياً في ستة أيام أسبوعياً، بـمبلغ 10500 جنيه ( 669 دولار)، متضمناً الأرباح الأسبوعية و”البونص” و”الجرانتي”. وليتمكن السائق من الحصول على البونص عليه تحقيق 200 رحلة شهرياً، الأمر الذي يرى الموقع صعوبته حتى مع تفرغ السائق. كما قدر الموقع متوسط دخل السيارة الشهري مع “أوبر” بدون سائق ما بين 4500 جنيه شهرياً ( حوالي 287 دولار) و 6500 جنيه شهرياً ( حوالي 414 دولار).
وعلى أساس تجارب كباتن “أوبر”، والتعريفة التي أعلنتها الشركة على موقعها الإلكتروني، قدرت إحدى مقالات موقع “مشاريع صغيرة” في نهاية 2023، أن متوسط ما يحققه سائق نموذجي، يعمل مع “أوبر” في مصر بدوام كامل، ما بين 6 آلاف جنيه و 12 ألف جنيه شهرياً. ولتحقيق الحد الأدنى، يحتاج السائق للعمل لمدة ما بين 5 و 6 أيام في الأسبوع، وتخصيص ما بين 30 و 40 ساعة إجماليًا خلال تلك الأيام. وبمتوسط أجر الساعة 50 جنيه، يصبح الدخل الشهري 6 آلاف جنيه. أما من يعمل ما بين 50 و 60 ساعة اسبوعياً، أي أكثر من 200 ساعة في الشهر، بنفس متوسط أجر الساعة، سيصل دخله إلى 10 آلاف جنيه.
وقدر الموقع نفسه تكلفة الوقود الشهرية ما بين ألفين جنيه وثلاثة آلاف جنيه، وتكلفة الصيانة ما بين 300 جنيه و500 جنيه، وعمولة ورسوم “أوبر” ما بين 500 جنيه و1000 جنيه شهرياً. ويلاحظ هنا عدم احتساب معدل إهلاك السيارة، ويحسب على أساس تقسيم سعرها على عدد سنوات عمرها المتوقع في الوضع العادي، وتضاف قيمة هذا المعدل إلى التكلفة.
وبطرح تلك التكلفة (بدون الإهلاك)، يصبح صافي الحد الأدنى 3200 جنيه (حوالي 104 دولارًا بالسعر الرسمي- و 63 دولارًا بسعر السوق السوداء) لمن يعمل في المتوسط 35 ساعة عمل في الأسبوع، وصافي الحد الأقصى 7500 جنيه (243 دولارًا بالسعر الرسمي- 147 دولارًا بسعر السوق السوداء) لمن يعمل أكثر من 12 ساعة عمل يومياً.
وذكر موقع “أوبر” أن ساعة العمل في “أوبر ايتس” تقدر بمبلغ 40 جنيهًا ( حوالي 0.8 دولارًا)، ويمكن من خلال العمل في البرنامج أن تصل الأرباح إلى ثلاثة آلاف جنيه أسبوعياً. وبحسبة بسيطة نستطيع الوصول إلي أن من يريد تحصيل تلك القيمة من الأرباح (قبل كل الخصومات) عليه العمل لمدة 75 ساعة أسبوعيًا.
وهكذا، فإن قيمة ما يتقاضاه السائق من “أوبر” في تناقص مستمر، خاصة مع انهيار سعر الجنيه خلال السنوات الماضية.
ووفق ما توصلت إليه إحدى الدراسات، وصل حد الفقر بمصر في أغسطس 2023 إلى مبلغ 5557 جنيهًا شهريًا، بينما كان حد الفقر المدقع 3566 جنيهًا شهريًا. وبناءًا على هذا، لابد من عمل العاملين مع “أوبر” أكثر من 12 ساعة يومياً ليستطيعوا فقط تفادي الوقوع تحت خط الفقر آنياً. إذ سيجد هذا العامل نفسه بلا عمل عندما تهلك السيارة، بينما لا يتيح له دخله توفير مبلغ يمكنه من شراء سيارة جديدة.
وبخلاف ذلك، نستطيع بوضوح الوقوف على الاستغلال المكثف للسائقين المصريين، ففي الوقت الذي يتقاضى فيه السائقين بأمريكا 33 دولارًا أجرًا عن الساعة، لا يصل أجر السائق في مصر لدولار واحد.
نضال سائقي “أوبر” من أجل حقوقهم
مُنيت شركة “أوبر” بهزيمة عمالية مهمة في أبريل 2021 في أكبر سوق أوروبي لها، عندما حكمت المحكمة العليا في بريطانيا بوجوب تصنيف السائقين على أنهم عمال يستحقون الحد الأدنى للأجور وإجازة مدفوعة الأجر. وصدر الحكم نتيجة القضية التي رفعها 25 سائقًا في بريطانيا قبلها بخمس سنوات، باعتبار أن “أوبر” تتصرف مثل صاحب العمل من خلال ضبط الأسعار، وتخصيص الرحلات، ومطالبة السائقين باتباع طرق معينة، واستخدام نظام تصنيف خاص بانضباط السائقين.
وفي محاولة لتجنب المزيد من القضايا قبل الحكم، استجابت “أوبر” للضغوط السياسية لحصول السائقين على بعض الضمانات؛ مثل التأمين ضد المرض والإصابة والحصول على إجازة رعاية الوالدين، بالإضافة إلى إقرار منح مساعدة مالية للسائقين لفترة محدودة في حالة الإصابة بفيروس كورونا، أو إجبارهم على العزل. كما نشرت “أوبر” اقتراحاً يتضمن المزيد من المزايا والحماية للعمال المستقلين. وعلى الرغم من استهدافها صانعي السياسات في دول الاتحاد الأوروبي، والذي من المتوقع أن يضعوا توصيات بشأن تحسين ظروف العمل في وقت لاحق، إلا أن الرؤية تنطبق على أعمالها التجارية عالمياً.
وقبلها، كان 385 ألف سائقًا في ولايتي كاليفورنيا ماساتشوستس بالولايات المتحدة الامريكية قد لجأوا للمحكمة ضد شركة “أوبر” مطالبين بمعاملتهم كموظفين في الشركة من أجل ضمان حقوقهم المالية. فهرعت الشركة للتوصل إلى اتفاقية مع السائقين العاملين في الولايتين، تقضي بأن تدفع الشركة مبدئيًا 84 مليون دولار لهم، بالإضافة إلى تلقي السائقين 16 مليون دولار إضافية عندما تطرح الشركة أسهمها في أسواق الأسهم، وقدرت بنسبة 150% من قيمتها في نهاية ديسمبر 2015. مما يعني أن السائقين يستمرون في التعاون مع الشركة كمتعاقدين وليس كموظفين. وعندما ذهب الطرفان للمحكمة بالاتفاقية في 2016، رفضتها المحكمة، لأنها غير عادلة. بسبب تلك القضية وافقت الشركة على تمويل اتحاد السائقين المتعاقدين معها من تلك الولايتين، علاوة على إمدادهم بمعلومات عن أسباب وقف التعامل مع السائقين، وكيفية التعامل مع الالتماسات.
وصدر بعد ذلك تشريعًا في ولاية كاليفورنيا، يفرض على الشركات المشابهة لشركة “أوبر” و “ليفت” أن تمنح السائقين والمتعاقدين نفس حقوق الموظفين. ورفضت الشركة تطبيق القانون بتعيين المتعاقدين معها كموظفين. وبالتالي، رفع عدد من السائقين دعوى قضائية تطالب بتطبيق القانون، حيث يؤدي السائقون عملًا معتادًا ضمن نشاط الشركة التي توجه وتتحكم فيه.
لم تستسلم “أوبر”، وأنفقت أكثر من 200 مليون دولار مع منافستها “ليفت” الأمريكية، وشركات حليفة لهما، للترويج لمشروع القانون المعروف باسم ” الاقتراح 22″، الذي يحل عملياً محل قانون ولاية كاليفورنيا، الذي يرغم هذه الشركات على إعادة تصنيف السائقين كموظفين. وروجت “أوبر” وشركائها للاقتراح لأنه يعطي استقلالية للسائقين مع تقديم بعض الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الحد الأدني للدخل بالنسبة للوقت الذي يمضونه في الرحلات. في أثناء الحملة هددت تلك الشركات بمغادرة كاليفورنيا إذا أجبرت على دفع مزايا الحد الأدنى للأجور، والتأمين ضد البطالة والرعاية الصحية وتعويضات العمال. وفازت بالفعل في كسب الأصوات في ولاية كاليفورنيا على مقترحها.
وفي نوفمبر 2023 وافقت “أوبر” و”ليفت” علي دفع كل منهما مبلغ 328 مليون دولار لأكثر من مائة ألف سائق، ووافقت الشركتان على منح السائقين إجازة مرضية مدفوعة الأجر في المستقبل وفقاً لعدد ساعات عملهم. وكان لك في سياق تسوية دعوى قضائية رفعتها النائبة العامة لولاية نيويورك بخصوص زعم دفع الشركتين لسائقيهما رواتب أقل من المفترض. ووجهت المدعية العامة للشركتين اتهامًا بأنهما خصمتا ضرائب ورسوم وتكاليف أخرى، بشكل غير قانوني، من أرباح السائقين لعدة سنوات (2014-2017)، كما حرمت الشركتان السائقين من الحصول على إجازة مرضية مدفوعة الأجر، رغم إقرار ذلك ضمن الحقوق المنصوص عليها لعمال نيويورك. ورفعت وزارة العلاقات الصناعية في ولاية كاليفورنيا دعوى قضائيةٍ مماثلةٍ ضد كلٍّ من “أوبر” و”ليفت” بسبب تورّطهما في “السرقةٍ الممنهجةٍ للأجور”.
كما أصدرت محكمة النقض الفرنسية في 2020، حكماً بإعتبار سائق في شركة خدمات النقل الذكي “أوبر” موظفاً في الشركة، وجاء حكم محكمة النقض مؤيدًا لحكم محكمة الاستئناف لصالح السائق، بعد أن أغلقت شركة “أوبر” حسابه واستغنت عن خدماته. ولجأ السائق للمحكمة على اعتبار أنه موظف لدى “أوبر” ومن حقه الحصول علي تعويض عن فصله من العمل. وأشارت المحكمة إلى انضمام سائقي “أوبر” إلى خدمة نقل “أسستها ونظمتها هذه الشركة بالكامل”، ولا يمكن لهؤلاء السائقين تشكيل قاعدة عملاء خاصة بهم ولا تحديد أسعار خدماتهم، ويجب عليهم الالتزام بطريق محددة ويخضعون للعقوبات في حالات تحددها الشركة.
ينطبق الشئ نفسه على السائقين المصريين لدي “أوبر” وغيرها من الشركات، فمتى يتحد أكثر من ثلاثة أرباع مليون من السائقين، ويقفون معا للمطالبة بحقوقهم في عمل لائق؟ ومتى تعمل الأجهزة التنفيذية والقضائية والبرلمانية المختلفة في الدولة كمثيلاتها في الدول الرأسمالية، وتتبنى تقنين وضع هؤلاء السائقين كعاملين لدي “أوبر” وغيرها، فضلًا عن بقية العاملين لدي المنصات.
متى ينضم سائقو التطبيقات المصريين لنضال رفاقهم في العالم؟ العاملون لدى “أوبر” مثالاً
