عداد الديون

غير مصنف

مقال | تغطية الإعلام للأنشطة الاحتجاجية: بين التقدير والشيطنة

وفق رالف هـ. تيرنر، تُعد التغطية الإعلامية أساسية لنجاح أي احتجاج. ولكن، تشير الأبحاث إلى أن الإعلام غالباً ما يصوّر الاحتجاجات والمحتجين الذين يتحدون الوضع القائم بصورة سلبية. كما وجد الباحثين (وفق Bron وآخرون) أن التحيزات الهيكلية والتنظيمية المدمجة في معايير وروتين الصحافة التقليدية، ساهمت في ظهور أنماط إعلامية ثابتة، تعمل على تهميش وتقليل شرعية الاحتجاجات الاجتماعية. وتُعرف هذه الأنماط بـنموذج الاحتجاج ” “protest paradigm، والذي ينشأ في النهاية من علاقة تكافلية لكنها غير متوازنة بين النشطاء والإعلام.

لا تغطي الصحافة غالباً الحركات التي لا تقوم بأنشطة جذابة للإعلام، مما يدفع المدافعين عن قضيتهم إلى تنظيم أحداث مصممة لجذب اهتمام الإعلام، بهدف نشر رسالتهم إلى جمهور أوسع وإظهار قوتهم. ويقوم الصحفيون بتغطية هذه الأحداث المنظمة دون تقديم معلومات جوهرية عن خلفية الحدث أو مظالم المشاركين، أو أجندة الحركة وراء الاحتجاج. تتمثل المفارقة هنا، في أن الحركات يجب أن تتكيف مع منطق الإعلام لجذب التغطية، لكن عند القيام بذلك، تميل التغطية الإعلامية إلى شيطنة المحتجين، وتصويرهم كمصدر تهديد للمجتمع، وتهميش أصواتهم، وعدم تغطية مظالمهم ومطالبهم بشكل كاف وصحيح. واستمرار هذه الممارسات الصحفية يضر محاولات التغيير الاجتماعي، لا سيما مع التأثير الواضح للإعلام على الرأي العام والسياسات الاجتماعية .

ويضيف براون أن التغيرات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ساهمت في زيادة النشاط الاحتجاجي عالمياً منذ ثمانينات القرن العشرين، بينما وفرت التقنيات الرقمية وسائل جديدة لتعزيز ظهور الاحتجاجات وزيادة وصول المحتجين.

وقد أكدت دراسة عن أثر وسائل التواصل الاجتماعي في الثورة التونسية، أن هذه الوسائل عملت كمحفز لتعبئة الاحتجاجات ضد نظام بن على، حيث سمحت للنخبة الرقمية بكسر حجب الإعلام الوطني، ونقلت حجم الأحداث بطريقة رفعت تصور النجاح بالنسبة للمشاركين المحتملين المترددين. كما قدمت تعبئة عاطفية إضافية من خلال تصوير أسوأ الانتهاكات المرتبطة برد فعل النظام تجاه الاحتجاجات، بالإضافة إلى أنها وفرت قاعدة للتعاون بين المجموعات المختلفة من أجل دورة احتجاجية واسعة النطاق.

وقد أشارت رباب المهدي إلى أهمية الدور الذي قامت به وسائل الإعلام المستقلة في تغطية الموجة الاحتجاجية التي بدأت عام 2006 في مصر، والتي جنباً إلى جنب مع عناصر أخرى أكثر أهمية؛ مثل تفكك العقد الاجتماعي ما بين الدولة والعمال و تحلل عناصر هيمنة الدولة الناصرية، ساهمت في اهتزاز الهيمنة الفكرية للنظام، و قيّدّت اليد القمعية للدولة، نتيجة ارتفاع تكلفة استخدام الإكراه.

في الوضع الحالي بمصر، تم إغلاق المجال العام، وعادت الدولة إلى احتكار جميع وسائل الإعلام، بما في ذلك تلك التي بدأت مستقلة سابقاً، وكان لها دور هام في تغطية الموجة الاحتجاجية قبل 2011، وما بعدها مباشرة.

ولا تتعدى وسائل الإعلام الالكترونية الحالية، التي تغطي الاحتجاجات، أصابع اليد الواحدة، وهو ما يحملها بعبء، ويجعل كثير منها يعاني من نقص التقارير الصحفية، وربما عدم الدقة في بعض الأحيان، بحيث لا تتوفر في تلك التغطية كل العناصر اللازمة للتحليل، مما يضطرنا لبذل جهد ووقت إضافيين لاستكمال صورة الموقع الاحتجاجي. كما أن معظم هذه المواقع لا تهتم بنشر أخبار حول متابعة نتائج الاحتجاجات، سواء ما تحقق منها وما لم يتحقق، أو حتى ما يصيب قادة العمال من تعسف بعد انتهاء الاحتجاج.

ومع ذلك، تظل هذه الوسائل الإعلامية القليلة، خاصة في الوضع الحالي الذي يحاكم فيه المواطنون على ما ينشرونه على صفحاتهم الخاصة، مما يحد من استخدام هذه الوسائل بفاعلية، رغم الدور الهام الذي لعبته في السابق.

1. Brown, D. K., & Harlow, S. (2019). Protests, media coverage, and a hierarchy of social struggle. The International Journal of Press/Politics, 24, 508–530.
https://shorturl.at/veWZ4, p. 510509
1. Brown, D. K., & Harlow, S. (2019). Protests, media coverage, and a hierarchy of social struggle. The International Journal of Press/Politics, 24, 508–530.
https://shorturl.at/4aZqX, p. 50
1. Breuer, A., Landman, T., & Farquhar, D. (2015). Social media and protest mobilization: Evidence from the Tunisian revolution. Democratization, 22, 764–792.
https://shorturl.at/nyL, p. 2
1. Rabab El-Mahdi. Labour protests in Egypt: causes and meanings. Journal Article, 2011.
https://tinyurl.com/367kh8vy, pp. 365–366.