عداد الديون

العدالة الاقتصادية

صفقة رأس الحكمة: عندما تتحول الدولة إلى شركة!ُ

 

في أواخر فبراير من العام الماضي، 2024، وقّعت مصر أكبر صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخها مع صندوق الثروة السيادي الإماراتي ADQ التابع لإمارة أبو ظبي. وتساوي قيمة الصفقة 35 مليار دولاراً أمريكياً، تدفعها ADQ على مدى شهرين، كما ورد على موقعها. وتنقسم الصفقة إلى شقين: الأول بقيمة 24 مليار جنيه مقابل “الحصول على حقوق تطوير [منطقة] رأس الحكمة” على الساحل الشمالي الغربي لمصر”. أما الثاني فهو تنازل ADQ (أو بالأحرى دولة الإمارات) عن 11 مليار دولار أخرى مودعة من جانب الإمارات في البنك المركزي المصري، كجزء من الدين الخارجي على مصر، للتوظيف “في مشاريع عقارية ومشاريع أخرى كبرى في مصر”. ويضيف موقع ADQ، شارحاً مضمون الصفقة، أن الحكومة المصرية ستحصل على حصة قيمتها 35% من مشروع التطوير، الذي سيبدأ العمل فيه مطلع 2025، والمتوقع اجتذابه 150 مليار دولاراً إضافية من الاستثمارات طوال مدة تنفيذه.

وقع الصفقة عن الجانب المصري السيد عاصم الجزار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية السابق (ممثلاً لـهيئة “تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة” التابعة لوزارة الإسكان ومالكة الأرض)، وعن الجانب الإماراتي وزير استثمار دولة الإمارات، (الذي تصادف، وهي ليست صدفة على الإطلاق كما سنرى حالاً، أنه الرئيس التنفيذي لـشركة ADQ!) السيد محمد حسن السويدي.

واعتُبرت الصفقة بمثابة طوق نجاة، مؤقت على الأقل، للاقتصاد المصري الذي يمر بأزمة كبيرة، حيث انخفض معدل النمو من 3.8% في العام المالي 2022/2023 إلى 2.4% في عام 2023/2024. وقد تعددت الأسباب الاقتصادية-الجيوسياسية في ذلك. إذ تضمنت حرب غزة التي أدت إلى تقليص إيرادات المرور في قناة السويس بنسبة 30%، وحرب روسيا/أوكرانيا التي خفضت إنتاج أوكرانيا وعطلت شحنات الاستيراد. ففي حين تعد البلدان من أكبر منتجي القمح في العالم، تعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، حيث تستورد حوالي نصف استهلاكها. وقبل الحرب، كانت روسيا وأوكرانيا من الخمسة الكبار المصدرين للقمح إلى مصر. هذا إضافة إلى الحرب الأهلية السودانية التي أدت، وفقاً للأرقام الرسمية، إلى نزوح أكثر من 1,2 مليون سوداني إلى مصر. وأخيراً القصف الحوثي للسعودية وإسرائيل، وتعطيله لممرات التجارة عبر البحر الأحمر، وهو الأمر الذي عطل (نسبياً) مسارات سلاسل إنتاج القيمة في المنطقة، بل وفي العالم بأسره.

وكما نعلم، كان نقص الدولار وارتفاع فاتورة الديون وخدمتها من أحد أهم مظاهر الأزمة الاقتصادية المصرية.  إذ بلغ دين مصر الخارجي منتصف 2023، أي قبل صفقة رأس الحكمة، 164.7 مليار دولاراً حسب أرقام البنك المركزي المصري. الأمر الذي أدى إلى سلسلة من التخفيضات الكبيرة في الجنيه المصري، بدءاً من نوفمبر 2016 وحتى مارس 2024، وفق شروط صندوق النقد الدولي، وأدى بالتالي إلى ارتفاع مهول في الأسعار، بل واختفاء بعض السلع من الأسواق.

ولذا، فإن صفقة بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت، يمكن فعلاً أن تعتبر “طوق نجاة” للاقتصاد المصري. لكن يبقى السؤال: هل كانت فعلاً طوق نجاة، أم أنها استمرار لسياسات ثبت فشلها المرة تلو المرة؟

في الواقع، فإن لهذه الصفقة دلالات كثيرة أبعد من آثارها المباشرة، تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية مع العوامل الجيوستراجية، والعلاقات الثنائية بين مصر والإمارات مع تغير موازين القوى وأشكال الهيمنة والتوتر في منطقة الشرق الأوسط كلها. بل تتقاطع فيها أيضاً أنماط التنمية العمرانية، والاقتصادية المصرية بشكل عام، مع أشكال التراكم والاستثمار العالمي في المرحلة النيوليبرالية الراهنة.

للإطلاع علي التقرير: