في عام 2019، قررت الأمم المتحدة تحديد 18 سبتمبر من كل عام يوماً دولياً للمساواة في الأجر، على أن يتم الاحتفال به بدأ من العام التالي. كان ذلك القرار خطوة ضمن خطوات كثيرة سابقة، ستلحقها كثيرات، نحو تحقيق المساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة. وانضمت مصر إلى التحالف الدولي للمساواة في الأجور بداية عام 2020، وأصبحت عضوًا في لجنة تسيير أعماله. واستقبل المعنيون انضمام مصر للتحالف باعتباره انعكاسًا لحرص الحكومة المصرية على الالتزام بأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030.
وقبلها، جاء مفهوم ” العدالة الاجتماعية والمساواة” كهدف استراتيجي في رؤية مصر 2030، الخطة الموضوعة عام 2016. وقد اعتمدت الرؤية أربعة أهداف عامة لتحقيق هذا المفهوم؛ تمثلت في توفير الحماية الاجتماعية، وتقليص الفجوة بين الجنسين، والإدماج وتكافؤ الفرص، وتعزيز التنمية المكانية والمحلية. ولكنها لم تتضمن نصًا صريحًا يفيد القضاء على فجوة الأجور بين الرجال والنساء، ولا فجوة الأجور بشكل عام. كما لم يتخذ قياس مدى التحسن في القضاء على التمييز بوصفه مؤشرًا ضمن محور العدالة الاجتماعية. ويمكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة للاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030.
وبالتالي لم يُنظر للتمييز في الأجر ضد العاملين بالقطاع الخاص، حيث قد لا تتعدى أجورهم لساعة العمل في سنوات عديدة نصف أجر قرنائهم في القطاع العام وقطاع الأعمال العام.
و بفحص منحنيات فجوة الأجور بين الرجال والنساء خلال عشرة سنوات، نلحظ تذبذبًا صعودا وهبوطا، حيث الأمر متروك بلا أي حسابات أو مراقبة.
ومع هذا، يختلف الوضع بالنسبة لفجوات الأجور بين العاملين في القطاع العام والخاص. إذ مال المنحنيان للتقارب خلال الفترة (2013-2018)، ثم تغير اتجاههما في الفترة التالية (2019-2022). فمال منحنى الأجور الحقيقية لعمال القطاع العام للزيادة، بفعل القرارات الجمهورية التي صدرت بزيادة الحد الأدنى للأجور، وإقرار زيادات لكل العاملين تماشياً مع تعويم العملة المحلية وارتفاع نسب التضخم – وإن كانت الزيادات لا توازن التدهور كما سنرى. بينما مال منحني الأجور الحقيقية للعاملين بالقطاع الخاص المنتظم للهبوط، بما يعني زيادة معاناتهم من التضخم. كما لم تترافق مع قراري وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية – رقم 57 لسنة 2021، و 103 لسنة 2022، الخاصين بالحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص المنتظم، زيادات متدرجة لكل الفئات. بل انتقصت قيمة العلاوة الدورية المقررة لهم في قانون العمل بواقع 7% إلى 4% فقط. وبالإضافة إلى ذلك، كان الحد الأدني للأجور بالنسبة للعاملين بالقطاع الخاص أقل من مثيله للعاملين بالحكومة والقطاع العام وقطاع الأعمال العام.
وفي 2024، صدر قرار وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية رقم 27 لسنة 2024، مستجيبًا لقرار المجلس القومي للأجور برفع الحد الأدني للأجور إلي 6000 جنيه (بدلاً من 3500 جنيه). وذكر فيه أن هذا الحد يمكن العامل من حياة كريمة، ويحقق مزيدًا من التوازن والعدالة بين طرفي عملية الإنتاج. وجدير بالذكر أن هذا الحد يشمل حصة صاحب العمل من التأمينات الاجتماعية. كما يدخل في حساب الأجر العمولة، والنسبة المئوية، والعلاوات، والمزايا العينية، والمنح والبدلات، ونصيب العامل من الأرباح والوهبة. وتستثنى منه المنشآت متناهية الصغر، التي يعمل بها أقل من عشرة عمال. هذا إلى جانب فتح الباب للاستثناء وفقاً للظروف الاقتصادية للمنشأة. وفي حالة عدم تنفيذ المنشأة للقرار، تعاقب باتخاذ الإجراءات القانونية كما لو أن العامل لم يصرف أجره، أو صرفه منقوصاً.
ووفقاً لقانون التأمينات الاجتماعية، تبلغ حصة العامل وصاحب العمل ( والتي ستدخل ضمن مبلغ 6000 جنيه) 30%. ويعني هذا أن 1800 جنيه سوف تذهب للتأمين الاجتماعي والصحي ولن تصل ليد العامل. كما يعني أن الحد الأدني للأجور الذي تم إقراره للعمال في القطاع الخاص هو 4200 جنيه، شاملًا كل ما يتقاضاه العامل من حوافز ومنح وبدلات وحتى المزايا العينية، وربما ساعات وأيام العمل الإضافية التي يحتسب الأجر متضمناً لها في الإحصائيات[3].
وفي إحدي الدراسات، حُسب الحد الأدنى للأجور بطريقتين، أحداهما عند نسبة 60% من نصيب الفرد في الدخل القومي، والثانية بحساب القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجر قبل تعويم الجنيه. وعلى هذا الأساس كان في الأولي 5671 جنيه شهرياً، والثانية 5490 جنيه، وذلك حتى أغسطس 2023. وفي الورقة نفسها، احتسب خط الفقر وقتها عند 5557 جنيه، بينما كان خط الفقر المدقع 3556 جنيه[4]. مما يعني أن الحد الأدني للأجور يضع العامل وأسرته تحت خط الفقر، ولا يوفر له حياة كريمة كما يزعمون. مع الأخذ في الاعتبار بأن الإجراءات القانونية المشار إليها لا تخرج عن غرامة ما بين 100 إلى 150 جنيه، طبقا للمادة 247 ق 12 لسنة 2003
وكما اتضح خلال السنوات الماضية، لم ينفذ هذا الحد الادني للأجور تحت سمع وبصر كل الاجهزة الحكومية، بما فيها الجهات التي أصدرت هذه القرارات، أو طالبت بإصدارها. وليس هناك من ينصت إلى مطالبة العمال بتنفيذ تلك القرارات. وعندما مارس العمال حقهم في الاعتصام أو الاضراب للمطالبة بقرار اصدرته الحكومة، كان نصيبهم الاعتقال والفصل من العمل أو الإيقاف، بدلاً من تنفيذ القرارات. وقد كان آخر مثال على ذلك عمال وعاملات وبريات سمنود، الذين وصل إضرابهم عن العمل إلى اليوم الخامس والعشرين في 11 سبتمبر، ولم يتراجعوا عن إضرابهم رغم القبض على ثمانية من العمال والعاملات، واتهام النيابة لهم بالتحريض على الإضراب والتجمهر وقلب نظام الحكم”. ولأول مرة اعتقلت عاملات من منازلهن كما يحدث مع العمال والنشطاء السياسيين.
[3] – ويمكن تفسير ذلك بتوجه الدولة إلى تشجيع الاستثمار بأي ثمن. حيث تعلن طيلة الوقت أن المغريات المقدمة للمستثمرين الأجانب تتضمن العمالة الرخيصة، حتى لو كان على حساب تدهور أجور العاملين. وربما ازداد الأمر مع الأزمات الأخيرة بسبب نقص احتياطي العملات الأجنبية، حيث غطت الرغبة في اجتذاب الاستثمارات الأجنبية على كل ما عداها.
ومن المعلوم أن زيادة فجوات الأجور لا تشكل ميلًا على المستوى القومي فقط، بل العالمي أيضًأ. حيث ثمة تحول مطرد في كيفية توزيع الدخل القومي على مدى السنوات الثلاثين الماضية، ضد الدخل من العمل (الأجور والرواتب والمزايا)، ولصالح الدخل من رأس المال (أرباح الأسهم والفوائد والأرباح). ومن المعلوم أيضًا، أن الدخل من رأس المال يفيد بشكل غير متكافئ الأشخاص الأشد ثراءً. ويبدو ذلك فيما ورد بتقرير منظمة أوكسفام والمنظمة الدولية لتمويل التنمية، الصادر في أكتوبر 2022، تحت عنوان ” مؤشر الالتزام بالحد من انعدام المساواة لعام 2022″، حيث ورد فيه: “تظهر البيانات أن ارتفاع حصة رأس المال يرتبط بزيادة اللامساواة في الدخل، كما تشير الأدلة الأولية على أنه في العالم الغني يبدو أن رأس المال راكم حصة أكبر من الكعكة بعد انخفاض قصير خلال عمليات الإغلاق في 2020. (مؤشر الالتزام بالحد من انعدام المساواة لعام 2022: ص 44)
كما أوضح التقرير أن اللامساواة خيار سياسي. وقد أظهرت بعض الحكومات وجود طرق أخرى ممكنة لإدارة الأمور، حتى في ظل الأزمات المتعددة. ويمكن اعتبار الطريق إلى مزيد من المساواة بوصفه رحلة بديلة عملية، يمكن لجميع البلدان أن تسلكها. وأكد التقرير على أنه لم يسبق أن كان سلوك هذا الطريق أكثر إلحاحا منه اليوم.
ورتب التقرير مصر في تصنيف الالتزام بالحد من انعدام المساواة لعام 2022 عند الرقم 87 من بين 161 بلدًا. وكان توسيع مصر لنطاق تطبيق الحد الأدنى للأجور – رغم مشكلاته- العنصر الوحيد الإيجابي، الذي أدى إلى تصعيدها في محور حقوق العمال (2020 – 2022)، رغم تصنيفها من البلدان الأسوأ في الحقوق النقابية.
أوصى التقرير الحكومات بوقف انفجار اللامساواة جذريًا وعكس اتجاهها من خلال عدة إجراءات عاجلة تحد منها. وتمثلت الإجراءات في وضع خطط عمل وطنية للحد من اللامساواة، مما يعني رفض التقشف والتركيز على تعزيز دخول أشد الناس فقرا، من خلال زيادة الإنفاق المناهض لانعدام المساواة، وجعل الضرائب أكثر تصاعدية، وزيادة حقوق العمال وأجورهم.
وفيما يتعلق ببعض التفاصيل المتعلقة بالسياسات الضريبية، طالب التقرير بجعل ضرائب الدخل على الشركات والأفراد أكثر تصاعدية، والحد من الإعفاءات الضريبية والحوافز للشركات الكبيرة والأفراد مع إعفاء المنتجات الغذائية الأساسية من كافة الضرائب (قيمة مضافة- ضرائب مبيعات- ضرائب عامة). وبالنسبة للخدمات العامة، أوصي التقرير بزيادة الإنفاق على التعليم المجاني، والصحة، وبرامج الحماية الاجتماعية الشاملة، وإلغاء رسوم التعليم والصحة لضمان المجانية، وعكس سياسات الخصخصة، وجعل المساهمات في نظم الحماية الاجتماعية القائمة على المساهمة أكثر تصاعدية لتخفيف العبء على الفقراء. وطالب كذلك بإنشاء برامج حماية اجتماعية شاملة تتجاوز المعاشات التقاعدية، لضمان حماية الفقراء العاملين والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والعاطلين عن العمل ومقدمي الرعاية غير مدفوعي الأجر، وغيرهم من الفئات الأشد ضعفاً.
وفيما يخص حقوق العمال وأجورهم، طالب بضمان تمتع الأشخاص بحقوق التنظيم النقابي، والإضراب والتفاوض الجماعي سواء في العمل الرسمي أو غير الرسمي، مع احترام جميع القوانين والالتزام باتفاقيات منظمة العمل الدولية. كما أوصى بزيادة الحد الأدنى للأجور ليتناسب مع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مع إجراء مراجعات سنوية لزيادته بما يتماشى مع التضخم، وضمان امتثال كل القطاعات بما فيها القطاع غير الرسمي بكل القوانين المتعلقة بظروف العمل، وإنشاء نظام دمج العمال غير النظاميين لأنظمة الحماية الاجتماعية. وبخصوص النساء، أوصى التقرير بتحسين تطبيق القوانين الخاصة بحقوق النساء بشأن المساواة في الأجر وعدم التمييز والتحرش الجنسي. كما أوصى بزيادة إجازات الوضع بأجر كامل (مؤشر الالتزام بالحد من انعدام المساواة لعام 2022: ص 14-15).
ونحاول في هذه الورقة سد ثغرة عدم مراقبة التمييز في الأجور، مستفيدين بقدر المستطاع من الإحصائيات المتاحة. إلا أننا لن نستطيع ذلك سوى جزئيًا في حدود 37% فقط من إجمالي المشتغلين ( 34.8% وهي نسبة العاملين داخل المنشآت بالقطاع الخاص، و 2.2% في القطاع العام وقطاع الأعمال العام)، وهما الفئتان التي تتوفر لهما إحصاءات الأجور، في حين لا توجد لبقية الفئات أية إحصاءات، وخاصة العاملين خارج المنشآت في القطاع الخاص ويمثلون النسبة الأكبر 44.9%.
نشير إلى إننا نلجأ إليها مع مشاكلها الكثيرة، ونخص بالذكر عدم نشر أي إحصائيات حول التفاوتات ما بين من هم في أعلى سلم الأجور ومن هم في أسفله، والتغيير المستمر في تجميع الاحصائيات، واستبعاد إحصائيات مهمة كانت موجودة في السابق. وسوف نلجأ إلى رسم صورة لتطور فجوات الأجور خلال عشرة سنوات، سواء بين النساء والرجال، أو بين العاملين بالقطاع الخاص أو العام. هذا إلى جانب النظر في تطور الأجور الحقيقية للعاملين خلال تلك الفترة المهمة.
نبدأ بالمنهجية التي توضح الطريقة التي استخدمناها في حساب الفجوات، وطريقة معالجة المشاكل التي واجهتنا نتيجة غياب بعض الإحصاءات.
للإطلاع على التقرير :

